رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
شهادات بيضاء على أيام سود


المشاهدات 1338
تاريخ الإضافة 2026/01/21 - 10:14 PM
آخر تحديث 2026/01/26 - 7:49 AM

التعميم في الأمور السيئة من العثرات التي لا يخلو منها مجتمع، لا مجتمعنا البغدادي، ولا غيره. 
باغَتُّ رجلاً مًسِنّاً جلس قبالتي ذات مرة في سيارة نقل عام عندما قال: (كل الناس حرامية)، فقلت له: (العَمّ أيضاً؟)، فبهت قليلاً، وربما فكر في نفسه، أنه إذا أجاب بنعم، فلماذا يعيب على الناس وهو مثلهم، حرامي؟، وإذا أجاب بلا، فهو يكذب نفسه، لأنه من (كل الناس) الذين وصفهم بالحرامية!، وحينما استعاد تركيزه بعد لحظة ذهول قال ضاحكاً: (خالي.. هي خربانه من كاعها!).
وسألني آخر في مجلس عام نهاية التسعينيات: (عمي وين تشتغل؟).
قلتُ اختصاراً: (بالزوراء عمو). 
فقال باستنكار: (عاه!، بالزوراء؟، عمي عيب تشتغل هناك، هاذي حديقة مايروحلها غير الدايحين والسيبندية، وترة بيها مو خوش  درابين وزواغير وسوالف مكسرة)!.
فقلت: (عمو آني أشتغل بجريدة الزوراء مو بحديقة الزوراء).
فقال يداري خجله  - أو هكذا بدا لي- : (عمي، كلها نفس الشي!).
قائمة التعميمات المجتمعية السيئة واسعة جداً، وتشمل شخصيات (عامة) كثيرة، على سبيل المثال: السياسي، والتاجر، والإعلامي، والشرطي، وغيرهم كثير، بل تمتد القائمة لتطول حتى شيوخ العشائر والجوامع لتثبت أن مجتمعنا (ما عنده لحية مسرّحه)!.
أسوة بالشخصيات العامة هناك شخصيات (معنوية) كثيرة هي الأخرى فهناك: مجلس النواب، شركات الاتصالات، ومحال الموبايلات، ومنافذ الكي كارد، ومعارض السيارات، وعدد ما شئت!.
وكل هؤلاء الشخصيات (عامة ومعنوية) في نظر فئة غير قليلة من المجتمع العراقي والبغدادي عبارة عن حرامية، وغشاشين، و(قفّاصه).
ومن حوادث التاريخ -المشمولة بالتعميم- هناك الفرهود والحواسم اللتان ارتبطتا بالسرقة والاستحواذ على المحرمات.
فالفرهود والحواسم، صارتا وصمة سوداء في سيرة البغدادي، بأنه ولغ فيهما بالسرقة، والسحت الحرام، مع أن المصادر ذكرت لنا صوراً مضيئة في الحادثتين تليق بالفعل بغيرة البغدادي، ونقاوة سيرته، وحسن جواره، وسأكتفي بما ورد في موضوع الفرهود لأذكرها بلسان يهود عراقيين كانوا شهوداً -بأنفسهم أو عائلاتهم- على الحدث، لعلنا نصحح شيئاً من تعميمات مفاهيمنا الاجتماعية الخاطئة الظالمة عن هذا اليوم، تاركاً الحواسم لمناسبة أخرى.
يقول الدكتور اليهودي العراقي سلمان درويش: «ولابد لي من أن أسجل هنا حقيقة يجب أن تقال وهي أن الكثيرين من المسلمين استهجنوا (الفرهود) ولا سيما سفك الدماء، وأن الكثيرين منهم فتحوا أبواب بيوتهم واستضافوا اليهود وحافظوا على حياتهم وبعثوا في نفوسهم الطمأنينة والأمل، وقدموا لهم الطعام والمنام».
ويؤكد درويش أن هذه الأفعال: «أحدثت أطيب الأثر في نفوس اليهود الذين رأوا كيف أن أخوانهم المسلمين عندما مست الحاجة تركوا الخلافات السياسية جانباً، وقاموا بالحماية والدفاع عن اليهود على أحسن ما يكون».  حسب: كل شيء هادئ في العيادة، 86-87.
آفي شلايم يهودي آخر ولد في بغداد من أسرة عريقة القدم هناك، يذكر صوراً عدة منها فيقول:» أن كثيرًا من المسلمين في المناطق السكنية المختلطة بذلوا قصارى جهودهم لتقديم العون لجيرانهم وأصدقائهم اليهود في وقت الشدة». 
ويضيف حول تنوع الحماية:» وقد توفرت الحماية إما عبر إدخال اليهود إلى بيوت المسلمين، أو الوقوف خارج بيوت الجيران اليهود ومنع المخلين بالأمن العام من الاعتداء عليهم». 
وتستدل من هذه العبارة على شدة هول ذلك اليوم عندما قال:» وأن الأمر تطلب قدرًا كبيرًا من الجرأة أن تقف عند باب بيت يهودي وتقول للغوغاء الغاضبين، (لا يمكنكم الدخول إلى هنا!)».
بل وصل الأمر إلى النساء البغداديات في القيام بدور عظيم في حماية اليهود آنذاك، يقول شلايم:» وقفت زوجة عقيد مسلم أمام باب بيت جارتها اليهودية ومعها بندقية زوجها الملقمة بالرصاص، مهددة بإطلاق النار على أي شخص يقترب منهم». 
لكن التعليق الجدير بالملاحظة في هذا الكتاب هو أنه يصف سلوك بعض (الفرهودجية)  بأنه لا يتعلق بكراهية اليهود، بل لكونهم رأوا في حالة الفوضى السائدة فرصةً للنّهب والسلب فقط، يذكر شلايم أنه قام «رجل يرتدي ثيابا رثة يسكن في كوخ من دون ماء جارٍ أو كهرباء. واختار مذياعا باهظ الثمن من مخزن يملكه يهودي وأخذه إلى كوخه. وبما أنه لا يوجد مصدر طاقة كهربائية، بقي المذياع صامتًا. فغضب الرجل، وضرب المذياع بقوة وهتف قائلا، (هيا، غن! إنك تغني لليهود فلماذا لا تغني لنا؟!)، حسب: العوالم الثلاثة (مذكرات يهودي عراقي)، 115.
هذه إذن بعض الصور المشرقة عن الفرهود، نقلتها متمنياً، مع علمي باستحالة هذه الأمنية، أن يأتي اليوم الذي نترك فيه التعميم بالأمور السيئة (أفراداً ومجتمع)، وأن نسمي الأسماء بمسمياتها المناسبة، ونزن الأمور بالقسطاس المستقيم، وندرك أن النار التي تحرق البعض، قد تكون فرصة لنا بالحصول على الدفء أيضاً، أو للإهتداء في ظلام الطريق، بدلاً من أن تكون مهرجاناً نحرق فيه، ونحترق مع الجميع، الأخضر واليابس.. ببضع كلمات!.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير