رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
هند كامل فنانة صاغتها العائلة وصقلتها الدراسة وخلّدها الأداء


المشاهدات 1335
تاريخ الإضافة 2026/01/21 - 10:14 PM
آخر تحديث 2026/01/26 - 7:50 AM

تمثّل الفنانة العراقية هند كامل واحدة من العلامات المضيئة في تاريخ الدراما العراقية والعربية، ليس فقط بما قدمته من أدوار متنوّعة تركت أثرها في ذاكرة المشاهد، بل بما تختزنه تجربتها من دلالات ثقافية واجتماعية وفنية عميقة. فهي ابنة بيئة فنية خالصة، نشأت وسط المسرح والتصوير والتمثيل والنقاشات الثقافية، وتفتحت موهبتها في مرحلة مبكرة، ثم تعمّقت بالدراسة الأكاديمية والتجربة العملية الطويلة، لتصوغ لنفسها مساراً هادئاً ومتزناً، بعيداً عن الضجيج، وقريباً من جوهر الفن الحقيقي.
ليست هند كامل مجرد ممثلة أدّت أدواراً ناجحة، بل هي نموذج لجيل كامل من الفنانين العراقيين الذين جمعوا بين الموهبة الفطرية والتكوين العلمي والالتزام المهني، فصنعوا أعمالاً تجاوزت حدود الترفيه إلى التعبير عن تحولات المجتمع وهمومه وأسئلته الكبرى. ومن خلال تتبع سيرتها، يمكن قراءة جانب مهم من تاريخ الدراما العراقية منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى السنوات الأخيرة، بما حمله هذا التاريخ من صعود فني، وانكسارات سياسية، وهجرات، وحروب، ومحاولات مستمرة للحفاظ على هوية الفن العراقي.
في هذا التحليل الصحفي أحاول الاقتراب من تجربة هند كامل بوصفها تجربة إنسانية وفنية متكاملة، تبدأ من العائلة والطفولة، وتمر بالإذاعة والتلفزيون والسينما، وتتقاطع مع شراكة حياتية وفنية مع المخرج الراحل فيصل الياسري، وتنتهي عند قناعة راسخة بأن الفن الحقيقي لا يُبنى بالصدفة، بل بالثقافة والدراسة والانضباط والإيمان العميق بالرسالة , وسأحاول ان اضع لكل حالة ولكل حقبة عنوانا يمثلها .
العائلة أول خشبة مسرح في حياة هند كامل
تشير معظم الدراسات النفسية والاجتماعية إلى أن العائلة تمثل البيئة الأولى التي تتشكل فيها ميول الإنسان واتجاهاته وقيمه، ويبدو هذا الأمر أكثر وضوحاً في المجتمعات الشرقية والعربية، حيث تلعب الروابط الأسرية دوراً مركزياً في بناء الشخصية. وفي حالة هند كامل، لا يمكن فصل تجربتها الفنية عن محيطها العائلي الذي كان مشبعاً بالفن والثقافة.
ولدت هند كامل في بغداد عام 1957، في أسرة تجمع بين الفن والمعرفة. فوالدها كامل الشندي كان مهندساً زراعياً، لكنه امتهن التصوير الفوتوغرافي وافتتح استوديو خاصاً في منطقة الميدان، ما جعله قريباً من الوسط الفني والثقافي. أما والدتها فهي الفنانة المعروفة فوزية الشندي، إحدى الممثلات الرائدات في الإذاعة والتلفزيون العراقي، والتي شاركت في أكثر من ستين عملاً فنياً، وكان من أبرزها برنامج “مكاني من الأعراب”.
نشأت هند في بيتٍ يتردد فيه صوت البروفات، ونقاشات النصوص، وحكايات المسرح والاستوديو، كما كانت شقيقتها هديل كامل ممثلة معروفة أيضاً. هذا الجو جعل الفن جزءاً من الحياة اليومية، لا مهنة طارئة أو خياراً استثنائياً. فالطفلة التي ترى أمها أمام الميكروفون والكاميرا، وتسمع أسماء المخرجين والممثلين والكتّاب، لا بد أن تتكوّن لديها علاقة مبكرة مع هذا العالم.
ولم يكن تأثير العائلة مقتصراً على الوالدين فقط، بل امتد إلى الجد عبد الكريم شندي، الذي كان من مثقفي مدينة الكاظمية، وامتلك مكتبة تراثية غنية. إلى جانب مكتبة الأب العلمية الحديثة، ومكتبة الأم الأدبية والمسرحية، وجدت هند نفسها محاطة بالكتب منذ الصغر، فكانت الثقافة بالنسبة لها ممارسة يومية لا واجباً مدرسياً.
من الإذاعة إلى الشاشة الصغيرة: ولادة نجمة بهدوء دخلت هند كامل عالم الفن من بوابة الإذاعة وهي في سن مبكرة لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها. كان ذلك عام 1976، حين شاركت في أعمال إذاعية أظهرت قدرتها على التحكم بالصوت والأداء والانفعال، وهي مهارات أساسية لأي ممثل ناجح.
لكن انتقالها إلى التلفزيون كان محطة مفصلية في مسيرتها، إذ شاركت في عام 1969 في أعمال تلفزيونية بإشراف المخرج الراحل محمد يوسف الجنابي، لتلفت الأنظار منذ ظهورها الأول ببشاشتها وأدائها العفوي غير المتكلف. لم تعتمد على المبالغة أو الاستعراض، بل على الصدق الداخلي في التعبير، وهو ما جعل حضورها محبباً وقريباً من الجمهور. في تلك المرحلة، كان التلفزيون العراقي يشهد ازدهاراً ملحوظاً، وكانت الأعمال الدرامية تُنتج بروح تجريبية عالية، وتحت إشراف مخرجين وكتّاب كبار. هذا المناخ ساعد هند كامل على التطور السريع، وعلى الاحتكاك المباشر بأجيال مختلفة من الفنانين، ما وسّع خبرتها ورسّخ أدواتها الفنية.
أدوار صنعت الذاكرة ورسخت حضورها في الدراما العربية
مع مرور السنوات، استطاعت هند كامل أن تبني رصيداً كبيراً من الأعمال المتنوعة بين الدراما الاجتماعية والكوميديا والأفلام السينمائية. ومن أبرز المسلسلات التي شاركت فيها مسلسل “رائحة القهوة”، ومسلسل “زوجة بالكمبيوتر”، الذي عُدّ في زمنه عملاً متقدماً من حيث الفكرة، إذ تناول موضوع الزواج عبر الحاسوب في وقت لم يكن فيه الإنترنت معروفاً، ما يعكس جرأة النص ورؤية استشرافية للمستقبل.
كما شاركت في المسلسل الخليجي المشترك “عائلة فوق تنور ساخن”، الذي جمع نخبة من نجوم الكويت والسعودية والعراق، مثل خالد النفيسي، حياة الفهد، غانم الصالح، مريم الغضبان، انتصار الشراح، عبد الناصر درويش، علي المفيدي، هدى حسين، وبكر الشدي. هذا العمل فتح أمامها آفاقاً عربية أوسع، وأكد قدرتها على الاندماج في بيئات درامية مختلفة.
وفي السينما، شكّل فيلم “بابل حبيبتي” محطة مهمة، كأول تعاون عراقي مصري في مجال الأفلام، أُنجز في منتصف الثمانينيات. شارك في بطولته إلى جانبها نخبة من الممثلين العراقيين والمصريين، مثل يحيى الفخراني وسماح أنور وأحمد عبد العزيز. وقدّمت فيه دور الفتاة العراقية التي تتحول في مخيلة عالم آثار مصري إلى أميرة سومرية، في حبكة جمعت بين الرمز والكوميديا والبعد الحضاري. ومن أعمالها الأخرى فيلم “ليلة سفر”، الذي نال شهادة النقاد لأفضل فيلم عربي مشارك في مهرجان القاهرة عام 1987، إضافة إلى مسلسلات مثل “رجال في قضية”، و”الفرج بعد الشدة”، و”الذخائر”، و”ليل الشناشيل”، والمرايا”، والباب الشرقي”، وصولاً إلى فيلم “بغداد حلم وردي” عام 2013، الذي جمعها بوالدتها فوزية الشندي في تجربة مؤثرة ذات طابع إنساني.
زواج الفن بالفن: الشراكة مع فيصل الياسري
في عام 1984، ارتبطت هند كامل بالمخرج العراقي المعروف فيصل الياسري، في علاقة لم تكن مجرد زواج تقليدي، بل شراكة فنية وإنسانية امتدت لعقود. اشتركا في العديد من الأعمال السينمائية والتلفزيونية، وكان لكل منهما تأثير واضح في تجربة الآخر. أنجبت هند ابنها الوحيد ديار، وبعد ذلك خففت من نشاطها الفني لفترة لتتفرغ لتربيته، في موقف يعكس توازنها بين الحياة الأسرية والمسيرة المهنية. أما فيصل الياسري، فواصل نشاطه الفني والإعلامي، وأسّس قنوات ومكاتب إنتاج، وكان له حضور واسع في المحافل الفنية العربية والدولية.
تُعد هذه العلاقة مثالاً نادراً على الاستقرار في الوسط الفني، حيث غالباً ما تطغى التقلبات والضغوط على العلاقات الشخصية. وقد أسهم هذا الاستقرار في توفير بيئة نفسية إيجابية لهند، انعكست على اختياراتها الفنية الهادئة والمدروسة.
الدراسة المنهجية والموهبة: فلسفة هند كامل في الإبداع
إلى جانب الموهبة والتجربة العملية، لعبت الدراسة الأكاديمية دوراً محورياً في تشكيل وعي هند كامل الفني. فقد درست في الأكاديمية العراقية على يد أستاذ هنغاري متخصص في الفنون السمعية والمرئية، وكان حاصلاً على جائزة الأوسكار في فن الإضاءة. كان هذا الأستاذ يردد أمام طلبته أن الدراسة المنهجية تعلّم أصول المهنة وكيفية الوصول إلى الهدف، لكنها لا تصنع الموهبة. فالإنسان قد يتعلم استخدام السلاح، لكنه لا يتعلم بالضرورة إصابة الهدف. الموهبة، والوعي، والإدراك، والخبرة، هي العناصر التي تصنع المبدع الحقيقي. تبنت هند كامل هذه الفلسفة، وآمنت بأن الفنان لا يكتمل إلا بالثقافة المستمرة، ولذلك ظلت مرتبطة بالقراءة، وبالشعر تحديداً، الذي أحبته منذ بداياتها الإذاعية. وكانت ترى أن الممثل الذي لا يغذي روحه بالمعرفة يتحول إلى مجرد منفذ أدوار بلا عمق.
الخلاصة
تمثل سيرة الفنانة هند كامل نموذجاً نادراً للفنانة التي لم تعتمد على الصدفة أو العلاقات العابرة، بل بنت مسيرتها على أسس متينة من العائلة المثقفة، والدراسة الأكاديمية، والتجربة العملية، والالتزام الأخلاقي والمهني. ولهذا بقي اسمها حاضراً باحترام في الذاكرة العراقية والعربية، حتى مع قلة ظهورها في السنوات الأخيرة.
إن الحديث عن هند كامل هو في جوهره حديث عن مرحلة كاملة من تاريخ الفن العراقي، وعن جيل آمن بأن الفن رسالة قبل أن يكون شهرة، ومسؤولية قبل أن يكون مكسباً. ولا يسع المتابع لمسيرتها إلا أن يتمنى لها دوام الصحة والعافية، ولشريك حياتها الفنان فيصل الياسري استمرار العطاء، وأن تبقى تجربتهما علامة مضيئة في سجل الثقافة العراقية المعاصرة.


تابعنا على
تصميم وتطوير