
في العام 1960 ، وأثناء إحدى دورات الأمم المتحدة، وضع الزعيم السوفيتي آنذاك نيكيتا خروتشوف حذاءه على الطاولة. مؤرخو الأحذية لايزالون مختلفين فيما إذا ضرب به الطاولة أم لوح به فقط، احتجاجًا على خطاب رئيس الوفد الفلبيني وقتذاك لورينزو سومولونغ الذي انتقد فيه سياسات الاتحاد السوفيتي. قبل أيام، وقبل أن يتم الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، الرئيس السابع والاربعون، عامه الأول ويبدأ عامه الثاني من ولايته الثانية غير المتصلة التي لم يحظ بها قبله سوى رئيس أميركي واحد هو غروفر كليفلاند في القرن الثامن عشر، دخل غرفة نوم رئيس دولة عضو بالأمم المتحدة ولها “طنة ورنة” التي هي فنزويلا واختطفه بالبيجامة مع زوجته وأخذه ونفطه معه الى الولايات المتحدة الأميركية معصوب العينين مرميًا في أحد السجون مع القتلة والمجرمين وتجار المخدرات وقطاع الطرق والمكبسلين مثلما نطلق نحن على حالات من هذا النوع.
ترمب وعبر “دكته” التي لم يقل له أحد من زعماء العالم الأول أم العاشر إنها “ناقصة” طبق برأس مادورو “مبدأ مونرو” الذي صاغه أحد رؤساء أميركا في القرن التاسع عشر، واسمه جيمس مونرو، لكن بصياغة ترامبية جديدة وبكل صلافة وتحدٍ للتاريخ والجغرافية والخرائط الى “مبدأ دونرو” تيممًا باسمه. بالعودة الى حذاء خروتشوف الذي كان يرمز الى قوة ومنعة ومكانة الإتحاد السوفياتي، فقد صادف أن “مرمطه” بعد نحو عقدين من الزمن أحد زعماء الصدفة “على كولتنا” ميخائيل غورباتشوف بمفردات بدت غريبة على عالم السياسة والأيديولوجيات آنذاك، وهي “البيريسترويكا والغلاسنوست” وتعني المراجعة والإنفتاح، وإذا بهذه المراجعة وهذا الإنفتاح أن تخرج هذا الإتحاد المترامي المساحات من التاريخ وتثبت مكانه “جدار برلين” الذي كتبت عليه خرائط العالم الجديد.
هذا العالم الجديد الذي سرعان ما أخرج لنا من تحت الطاولة وكأنهم كانوا ينتظرون دقة الجرس مفكرين من طراز فرانسيس فوكاياما الذي بشرنا بـ “نهاية التاريخ” الذي لم ينته برغم كل مساعي صديقنا فوكاياما لـ“تلزيك” هذا التاريخ بعد كل “الفتوك” التي ظهرت فيما بعد من العولمة و”حط إيدك” الى الذكاء الإصطناعي وما بعده الذي بدأ يصوغ ليس تاريخا جديدا للإنسان بل إنسان جديد. مفكر آخر ظهر محايثًًا لظهور فوكاياما وهو صموئيل هنتنغون الذي بشرنا بـ “صِدام الحضارات” لكن الوقت لم يسمح له لإعادة النظر بنظريته التي أثارت العديد من الأسئلة والقراءات، لا لأن الحضارات لم تتصارع أو تتصادم يوماً، بل لأن قراءته لهذا التصادم والصراع إصطدمت بعد سنوات بما لايجعل تلك النظرية قابلة للإستمرار بالطريقة التي توقعها. بين كل هذا، وذاك ومع كل مارافق تلك التحولات من تنظير وفلسفات، فإن العلامة الفارقة الوحيدة التي بقيت شاهدًا على عالمنا قديمه وجديده هي .. حذاء خروتشوف وبيجامة مادورو,