
-2-
هناك صلة بين الصمت واللاهوت السلبي (Negative Theology) تقوم على إدراك عميق بأن شهود الله يتجاوز اللغة. الله لا يمكن الإحاطة به بالوصف ولا تتسع له الكلمات ولا المفاهيم، لذلك يغدو الصمت امتدادًا للتنزيه لا فراغًا في المعنى، إذ يعلّق الإنسان ادعاء المعرفة حين يعترف بحدود عقله ولسانه، ويتجلى الله لقلبه من دون استعمال اللغة. في اللاهوت السلبي لا يراد بالصمت إنكار الكلام، بل تحرير الإيمان من وهم امتلاكه بالكلمات، لأن كثرة الكلام عن المطلق تغري بإسقاط المحدود عليه، فيما الصمت يفتح أفق الإنصات، ويحول المعرفة من تعريف ذهني إلى حضور روحي، ومن يقين لغوي إلى تجربة روحية مشبعة بالسكينة. هكذا يصير الصمت موقفًا روحيًا وأخلاقيًا يصون مقام المطلق، ويمنح الإنسان تواضعًا معرفيًا يتيح له أن يكون في حالة شهود من دون أن يدعي القبض على الأسماء والصفات والتعبير عنها باللغة، فيتحقق الإيمان بوصفه صلة حية بالمطلق لا كلامًا مكتفيًا بذاته. مسار ما عرف لاحقاً بـ «اللاهوت السلبي» أو «اللاهوت التنزيهي»، لم ينشأ من فراغ، بل تبلور في سياق روحي عريق متكئًا على ميراث الأفلاطونية المحدثة، لا سيما فكر أفلوطين (204–270م) الذي شدّد على أن «الواحد» يتجاوز كل تحديد لغوي وكل إطار مفهومي. في المسيحية مثّل أوغسطينوس (354–430م) مرجعًا مبكرًا لهذا الاتجاه، حين أكّد أن اللغة البشرية عاجزة عن الإحاطة بحقيقة الله، وأن المعرفة تبدأ من الاعتراف بمحدودية العقل وحدوده. وشدّد ديونيسيوس الآريوباغي، نحو (480–520م) على أن الصمت هو الطريق الأسمى للقاء الله، لأن كل قول يظل قاصرًا أمام سرّ المطلق، فدعا إلى الصمت بوصفه طريقًا لشهود الله خارج الأسماء والصفات، ورأى أن أقرب السبل إلى المطلق تمرّ عبر نفي الصور والمفاهيم، والعيش في سكينة تتجاوز القول والفهم، حيث يتهيأ القلب لانكشاف لا تحتمله اللغة.
وفي الفلسفة اليهودية بلور موسى بن ميمون (1138–1204م) هذا المنحى بوضوح منهجي في «دلالة الحائرين»، رافضًا قبول الصفات الثبوتية لله، ومؤكدًا أن الطريق الأسلم للحديث عنه يمر عبر النفي، حفاظًا على وحدانيته المطلقة. وأن التنزيه لا يكتمل إلا بالصمت الذي يحرس وحدانية الله من إسقاطات الخيال البشري واللغة، إذ إن كثرة الكلام عن الصفات تغري بالتمثيل والتشبيه. وفي الفلسفة الإسلامية في إيران عبّر الملا رجب علي التبريزي (ت. 1080 هـ / 1669 م) عن رؤية معرفية وروحية متصلة بهذا الأفق، حين أكد أن الذات الإلهية تتعالى على المفاهيم والحدود، وأن المعرفة الحقة تنكشف في التجربة والذوق لا في التعريفات النظرية. هكذا يتكشف «اللاهوت السلبي» بوصفه مسارًا إنسانياً عابرًا للأديان والثقافات، يلتقي فيه الفلاسفة والمتصوفة واللاهوتيون على وعي يرى: أن الله يحضر في العمق الذي تعجز اللغة عن احتوائه، وأن الصمت ليس نقصًا في القول بل تواضعًا معرفيًا، وفتحًا لأفق التجربة الروحية، وحراسةً للغيب من إسقاطات اللغة البشرية وضيق وعائها.
أما يوهانس تاولر، المتوفى سنة 1361م وتلميذ تقليد إكهارت، فيرى الصمت تربية باطنية طويلة، ينسحب فيها الإنسان من ضجيج الذات ويتهيأ لتلقي النور الإلهي في الداخل، حيث تتكون الأخلاق بالتهذيب والصبر لا بالتوجيه الخارجي ولا بالوعظ المباشر. ويجعل هاينريش سوزو، المتوفى سنة 1366م، الصمت بعدًا ذوقيًا عميقًا يقترن بالمحبة والألم معًا، ويتعلم فيه العارف أن الصمت لا يمثل راحة ولا سكينة، بل استعدادا لتحمل التحول الذاتي وما يرافقه من استعداد ونضج روحي. وتكشف تجربة مرغريت بوريت، التي أُعدمت سنة 1310م، عن الصمت بوصفه تعبيرا عن فناء الإرادة في المحبة الإلهية، حيث تصمت الذات كي يتكلم الحضور في داخلها من دون وساطة، ويتلاشى الصوت الفردي لصالح حضور يملأ القلب، وتغدو الصلة بالله خبرة معيشة تتجاوز القول وتنفتح على حرية داخلية. الكَبَّالية (القبّالة أو الكابالا) هي تيار صوفي باطني في اليهودية يهدف إلى تفسير العلاقة بين الله والكون والإنسان من خلال رموز وتأويلات روحية وفلسفية. لا تُعدّ دينًا مستقلا بل منهجًا لفهم الباطن في التوراة والتقاليد اليهودية. يحتل الصمت موقعًا مركزيًا في التقاليد الكَبَّالية بوصفه شرطًا للإنصات إلى الحضور الإلهي. في الكَبَّالا المبكرة، وخاصة في نصوص سِفر يتصيرا (سِفر التكوين / Sefer Yetzirah)، الذي هو أحد أقدم النصوص الصوفية في التراث اليهودي، ويعدّ من النصوص المؤسِّسة لما عرف لاحقًا بـالقبّالاه (التصوف اليهودي)، مع أن مضمونه أسبق تاريخيًا من القبّالاه الكلاسيكية. يرى العارف الصمت مقامًا للتلقي الأول، إذ لا ينكشف الإله في الضجيج، بل في السكينة التي تسبق القول وتتقدمه. وفي القرن الثالث عشر ظهر الزُّوهار (Zohar، أي: الضياء أو الإشراق)، وهو النص المركزي في القبّالاه، أي التصوف اليهودي، ويعدّ من أبرز الأعمال الصوفية لديهم، لما ينطوي عليه من رؤية رمزية للكون، واللغة، والإله، والإنسان. ويجعل موسى دي ليون، المتوفى سنة 1305م الذي هو أحد أبرز محرري الزُّوهار، الصمت فضاء داخليًا يسمح بتذوق أسرار التجلي الإلهي، حيث تنسحب اللغة اليومية ويتقدم الرمز بوصفه لغة الروح، في أفق معايشة يقوم على الإصغاء والصفاء لا على الشرح والتقرير. ويغدو الصمت شرطًا لفهم الصلة العميقة بين العالم وتجليات «السفيروت»، وهي التجليات أو الانبثاقات الإلهية العشر في القبّالة اليهودية، وهي تُصور عادة في شكل «شجرة الحياة». وفي مسار إسحاق لوريا، (1534- 1572)، يتخذ الصمت بعدًا كوسمولوجيًا وأخلاقيًا معًا، إذ يرتبط بفكرة الانقباض الأول، حيث ينسحب الحضور الإلهي ليتيح للوجود أن يكون، ويجعل لوريا الصمت تخلية داخلية يهيئ بها الإنسان ذاته للمشاركة في ترميم العالم. ويؤكد أن الأخلاق لا تقوم على الوعظ ولا على الإلزام الخارجي، بل تنبثق من بناء الذات في سكينة وتأمل، ومن إصغاء عميق يجعل الفعل الأخلاقي امتدادًا لتجربة روحية صامتة، لا استجابة لأمر مفروض ولا تكرارًا لقواعد جاهزة.
أما بعل شيم طوف (1698-1760)، مؤسس «الحسيدية»، التي هي حركة صوفية اجتماعية داخل اليهودية الأرثوذكسية، نشأت في أوروبا الشرقية، فيعيد الصمت إلى الحياة اليومية بوصفه إنصاتًا عميقًا للحضور الإلهي في كل شيء، حيث لا ينفصل الصمت عن الفرح ولا يتعارض مع العيش، بل يفتح القلب على معنى القرب، ويجعل االيقظة الباطنية أسلوب حياة لا اعتزالا. وتلتقي هذه التجارب العرفانية مع نظيراتها المسيحية على أن الصمت لا يدلّ على هشاشة وضعف، بل يمثل قوة روحية وشرطًا للمعرفة القلبية، ومسارًا لتحرير الإنسان من أسر المفاهيم وضيق اللغات، وبناء صلة بالله تقوم على الحضور والشهود، حيث ينضج الإيمان في الصمت ويتأسس الفعل الأخلاقي في صفاء الداخل، ويغدو الصمت لغة مشتركة بين التقاليد العرفانية في سعيها الدائم إلى المعنى. تلتقي هذه التجارب العرفانية المتنوعة على فهم الصمت بأنه قوة روحية فاعلة لا انسحابًا من العالم، ومسارًا يحرّر الإنسان من وهم الامتلاك المعرفي، ويؤسس صلة عميقة مع الله. في الصمت ينضج القلب في السكينة، ويتعلم الإصغاء لما يتكشف في العمق، وتتشكل الأخلاق في التجربة الحية لا في التوجيه الخارجي، ويتحول الصفاء الداخلي إلى موقف وفعل ورحمة ومسؤولية.
هكذا يصبح الصمت لغة داخلية تعيد للإنسان عمقه الوجودي، وتحرّره من ضيق المفاهيم وكثافة القول، وتعيد وصل ما انقطع بينه وبين المعنى، في أفق معرفة قلبية تنبثق من المشاهدة والتذوق لا من التملك، ومن الحضور لا من الادعاء.