
تأليف : جيرمي سولت
ترجمة دكتور نبيل الطويل
يسعى الكتاب إلى تقديم قراءة تاريخية معمقة لتفكك الشرق الأوسط الحديث بوصفه نتيجة مباشرة لتدخلات القوى الغربية منذ القرن التاسع عشر وحتى بدايات القرن الحادي والعشرين. يرى سولت أن السياسات الاستعمارية والإمبريالية – من فرنسا وبريطانيا إلى الولايات المتحدة – لم تكتفِ بفرض الهيمنة العسكرية والسياسية، بل أعادت رسم الخرائط السياسية والاجتماعية للمنطقة بطريقة زرعت بذور العنف والاضطراب.
ويؤكد أن الفوضى لم تكن نتيجة عفوية أو صدام «حضارات»، بل صناعة متعمدة لخدمة مصالح غربية في النفط والموقع الجغرافي والهيمنة الجيوسياسية.
أولًا: البدايات الاستعمارية (القرن التاسع عشر) ينطلق الكتاب من حملة نابليون على مصر عام 1798 كنقطة تحول رمزية لبدء التدخل الغربي المباشر في المنطقة.
الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882 مثال واضح على السيطرة بحجة «الحضارة» و»النظام»، بينما الهدف الحقيقي كان ضمان التحكم بخطوط التجارة وقناة السويس.
يعرض سولت التناقض بين الشعارات التمدينية والخطاب الأخلاقي من جهة، والنهب والقمع العسكري من جهة أخرى.
ثانيًا: تفكيك الإمبراطورية العثمانية وتقسيم المشرق
انهيار «الرجل المريض» بعد الحرب العالمية الأولى فتح الباب أمام معاهدات مثل سايكس–بيكو، التي أنشأت كيانات ودول بحدود مصطنعة غير قابلة للاستقرار.
يناقش دور بريطانيا وفرنسا في تشجيع الحركة الصهيونية، وما ترتب على ذلك من تأسيس إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني، معتبرًا فلسطين نموذجًا لـ»الاستعمار المزدوج» (الغربي والصهيوني).
ثالثًا: صعود الهيمنة الأمريكية
بعد أفول النفوذ البريطاني–الفرنسي، انتقلت القيادة للولايات المتحدة منذ خمسينيات القرن العشرين.
أزمة السويس عام 1956 جسّدت هذا التحول، حيث فرضت واشنطن كلمتها على حلفائها الأوروبيين.
الحروب الأمريكية اللاحقة في الخليج (1991) ثم غزو العراق (2003) رسخت صورة «الإمبراطورية الأمريكية» التي دمرت استقرار المنطقة وأضعفت مؤسساتها الوطنية.
رابعًا: الصراع العربي–الإسرائيلي ولبنان كساحة اختبار
يعرض الكتاب النكبة الفلسطينية (1948) وحروب 1967 و1973 كأحداث مركزية في تشكل الشرق الأوسط الحديث تحت الرعاية الغربية.
يسلط الضوء على الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 والحرب الأهلية اللبنانية، مبرزًا كيف تحولت المنطقة إلى «مختبر للفوضى» بتشجيع من السياسات الغربية.
خامسًا: الكلفة البشرية والفكر المقاوم
يذكّر سولت بأن ثمن التدخلات الغربية كان ملايين الضحايا واللاجئين وانهيار البنى الاقتصادية.
المقاومة، سواء الوطنية أو الإسلامية، تُقدَّم كاستجابة طبيعية للظلم والاستعمار الجديد.
يقتبس من خطابات أسامة بن لادن وغيرهم لبيان أن شعار «اتركونا نعيش بسلام» ليس مجرد دعاية، بل رد فعل على عقود من العدوان.
سادسًا: الغرب وصناعة خطاب «الآخر»
يتناول كيف استخدم الغرب خطاب «الإرهاب» و»الإسلام العنيف» لتبرير التدخلات العسكرية، بينما الواقع يكشف أن هذه السياسات نفسها هي التي غذّت التطرف.
يضع نقدًا مباشرًا لنظريات مثل «صدام الحضارات» لهنتنغتون، معتبرًا أن الحدود الدامية ليست من صنع الإسلام، بل من صنع السياسات الغربية.
الاستقبال النقدي
أشاد جون ميرشايمر بالكتاب كضرورة لصناع القرار الأمريكيين، معتبرًا أنه يكشف زيف الخطاب الغربي. وصفه ميهران كامرافا بأنه «مُدمر في دقته» لإظهاره أن الغرب هو الذي جعل المنطقة مسرحًا دائمًا للدماء.
رأى جوزيف مسعد أن الكتاب موجه أيضًا للقارئ العام، لأنه يتجنب التنميط الاستشراقي ويقدم قراءة إنسانية–تاريخية معمقة.
من الانتقادات: تركيزه الشديد على العامل الغربي أحيانًا يجعل السياق الداخلي (الديناميات الاجتماعية والسياسية المحلية) أقل وضوحًا.
حصل الكتاب على إشادة أكاديمية واسعة ورُشح لجائزة آرثر روس للكتاب (2009)، كما لاقى قبولًا جيدًا لدى القراء (تقييم 4.5/5 على Amazon).
المغزى الفكري
الفوضى في الشرق الأوسط ليست قدرًا جغرافيًا أو دينيًا، بل نتيجة تدخلات غربية متعمدة.
يرفض الكتاب فكرة «الاستثناء الإسلامي» ويعيد جذور الصراع إلى الاستعمار والهيمنة لا إلى الدين.
يؤكد أن فهم الواقع العربي الراهن يستلزم وعيًا بالمسؤولية الغربية عن الخراب، لا إسقاطه على ثقافات محلية. يحمل دعوة أخلاقية وسياسية إلى مساءلة الغرب عن سياساته، وإلى إعادة التفكير في النظام الدولي الذي يشرعن التدخل والنهب.
خلاصة نهائية
الكتاب هو عمل موسوعي نقدي يفضح كيف أسهم الغرب في تفكيك المشرق العربي وتحويله إلى ساحة فوضى دائمة. من سايكس–بيكو إلى غزو العراق، يقدم سولت سجلًا دامغًا للتلاعب الإمبريالي الذي جعل مصالح النفط والجغرافيا تتقدم على حياة الملايين. بفضل دقته التاريخية ونبرته النقدية، يشكل الكتاب مرجعًا أساسيًا لفهم جذور الأزمات الراهنة، رغم أسلوبه الأكاديمي الكثيف أحيانًا. إنه دعوة إلى قراءة جديدة لتاريخ المنطقة من منظور يعيد المسؤولية إلى من صنع الفوضى: الغرب نفسه.