رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
حين تبدأ الحياة من العراء


المشاهدات 1082
تاريخ الإضافة 2026/01/18 - 9:38 PM
آخر تحديث 2026/01/19 - 7:03 AM

لا تُقرأ قصيدة  «نكوص» بوصفها نصاً شعرياً معزولاً، بل تُستعاد كخبرة وجودية متراكمة، هي حصيلة مشروع شعري ومعرفي طويل اشتغل عليه رعد زامل منذ بداياته الأولى في «أنقذوا أسماكنا من الغرق» مروراً بـ  «خسوف الضمير» و  «اختلطت على بوصلتي الجهات» وصولاً إلى «الأعمال الشعرية» التي أرخت زمناً كاملاً من القلق والأسئلة. في هذا النص، لا يستدعي الشاعر الولادة باعتبارها خلاصاً، بل يضعها في سياق النكوص، وكأن الخلق نفسه فعل متردد، هش، مهدد منذ لحظته الأولى.
يستهل الأديب قصيدته بهذه الصورة المكثفة:
«لم يتداركني
الغيم بالمطر
غداة نطفة على وجه الرمال» . 
يفتتح الشاعر نصه بإعلان مبكر عن هشاشة البدايات، حيث تأتي الولادة في فضاء عارٍ، مفتوح على الاحتمال لا على الحماية. فالنطفة، وهي أصل التكوين، لا تُحتضن في سياق آمن، بل تواجه سطحاً قاسياً هو الرمل، بما يحمله من دلالات الجفاف والتبدد وعدم الاستقرار. هنا لا يغيب المطر بوصفه خلاصاً، بل يتأخر بوصفه شرطاً لم يكتمل، وكأن الحياة تبدأ من نقصٍ أولي لا من تمامٍ مُسبق.
هذه الصورة تلخص اغتراب الكائن منذ لحظة تشكله الأولى، اغتراب لا تسببه قوة غيبية، بل طبيعة العالم ذاته الذي لا يمنح ضمانات. فالأشجار، رمز الامتداد والاستمرار، تشيح بوجهها لا رفضاً، بل انسجاماً مع نظام وجودي بارد، يترك الفرد وحيداً في مواجهة تشكّله الخاص. العالم هنا لا يعادي الإنسان، لكنه لا يكترث به أيضاً.
القطيعة التي يؤسس لها الشاعر ليست لحظة طارئة، بل بنية أولى في الوعي ،  قطيعة تبدأ مع أول تماس مع الوجود، حيث يُدرك الكائن أنه مطالب بأن يصنع توازنه بنفسه، في عالم لا يهيّئ له الطرق، ولا يشرح له خرائط النجاة. وهكذا تتحول البداية الشعرية إلى بيان وجودي عن الإنسان الذي يولد مكشوفاً، بلا ضمان، محكوماً منذ اللحظة الأولى بوعي الفقد والتيه. 
«روحي بذرة الشك
والعالم  حقل اليقين» . 
هذا التضاد الكاشف يعكس وعياً فلسفياً رافق تجربة الشاعر، سواء في نصوصه الشعرية أو في اختياراته الترجمية، من « الأخلاق والدين» إلى «اللسانيات والشعرية والسيميائية» ، الشك هنا ليس ارتباكاً، بل موقف معرفي، في عالم يدّعي اليقين بينما يفيض بالعنف والتناقض. الروح لا تنتمي إلى هذا العالم، بل تقف في مواجهته، متسائلة، مريبة، حرة.
«من نطفة إلى علقة
تعثرت بالكثير من الجثث» . 
ينقلب السرد البيولوجي إلى مسار دموي. النمو لا يتم عبر الحياة بل عبر الموت، في صورة تختزل تاريخاً طويلاً من الحروب. هذا الاشتباك بين الفردي والجمعي يتقاطع مع رؤية الشاعر في «اختلطت على بوصلتي الجهات» ، حيث يصبح التيه سمة عامة، ويتحوّل الوجود إلى عبور قاسٍ بين فيافي الغربة وقفار العدم.
«وما أن أوشك الله
أن يكسو ذلك العظم لحماً
حتى نهشته أنياب الحروب» . 
في هذا المقطع تبلغ القصيدة ذروة مأساتها. فعل الرحمة يُجهَض، والجسد يُستباح قبل اكتماله. الحروب، التي شكّلت خلفية الوعي العراقي المعاصر، تظهر هنا كقوة تعادي الخلق نفسه. هذه الرؤية تتناغم مع الحس الإنساني العميق الذي ميّز تجربة رعد زامل، شعراً وترجمة، سواء في نصوصه أو في نقله لأعمال تناولت السلطة والعنف ومصائر الإنسان.
«جرفتني ريح الولادة
نحو الجنوب
وليس مهماً
لو ألقاني هبوبها في الشمال» . 
يسحب الشاعر المعنى من المكان، ليجعل الجغرافيا تفصيلاً ثانوياً أمام قسوة المصير. الجنوب والشمال سواء، فالألم واحد. إنها رؤية إنسانية تتجاوز المحلي، وتضع القصيدة في فضاء كوني، حيث الإنسان يولد محكوماً بصرخة لا يحددها المكان بل طبيعة العالم نفسه.
«أولد صارخاً حتماً
أولد وفي عيني
حمامة مذبوحة» . 
الولادة هنا صرخة احتجاج لا إعلان حياة، والحمامة، رمز السلام، تأتي مذبوحة ومستقرة في العين، أي في الرؤية. كأن الشاعر يقول إننا نرى العالم منذ البداية بعين فقدت براءتها، بعين مثقلة بالدم، وأن هذا العمى الجمالي هو أول أشكال الوعي في عالم منكوص.
ولا يمكن قراءة «  نكوص» بمعزل عن المنجز الإبداعي المتراكم لرعد زامل، ذلك المنجز الذي تشكّل عبر الشعر والترجمة بوصفهما فعلين متكاملين في مسألة الوجود واللغة والمعنى. ففي الشعر، جاءت مجموعاته  ، أنقذوا أسماكنا من الغرق ، و خسوف الضمير ، و  كذلك «اختلطت على بوصلتي الجهات» بوصفها محطات أساسية في تشكّل صوته، قبل أن تُجمع هذه التجربة في « الأعمال الشعرية» التي وثّقت أكثر من عقدين من الكتابة القلقة والأسئلة المفتوحة.
أما في الترجمة، فقد انفتح الشاعر على آفاق معرفية وإنسانية واسعة، فنقل إلى العربية أعمالاً فكرية وأدبية مثل ظلال وأزهار ، و  «محاربو قوس قزح» ، و  «الأخلاق والدين» ، و «كيف تموت الديمقراطيات» ، و  «اللسانيات والشعرية والسيميائية» و إضافة إلى ترجماته الروائية مثل « مندولين النقيب كوريلي» و «جيش يحتضر في الكوت» . وهي ترجمات لا تأتي بوصفها عملاً موازياً، بل امتداداً عضوياً لرؤية شاعر يرى في الأدب معرفة، وفي الترجمة فعلاً أخلاقياً وموقفاً ثقافياً.
تأتي  «نكوص» بوصفها خلاصة جمالية وفكرية لمشروع  زامل الشعري والمعرفي، مشروعٍ لم ينفصل فيه الشعر عن المعرفة، ولا الذات عن العالم. من حضوره الثقافي إلى انتمائه العميق لمدينة ميسان، أم الأدب والفن والمسرح والشعر والكتاب، ظل الشاعر وفياً لفكرة واحدة: أن الشعر ليس ترفاً لغوياً، بل شهادة إنسانية. في هذه القصيدة لا ينسحب الشاعر من العالم، بل يكشف عريه، ويعيد طرح سؤال الخلق من داخل الخراب، مؤكداً أن الصرخة الأولى ما زالت مستمرة، وأن الحمامة المذبوحة، رغم كل شيء، ما زالت دليلاً على توق الإنسان الأبدي للسلام.


تابعنا على
تصميم وتطوير