رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
إبراهيم العلاف مؤرخ معاصر جعل من التاريخ علماً شعبياً واسعاً


المشاهدات 1081
تاريخ الإضافة 2026/01/18 - 9:37 PM
آخر تحديث 2026/01/19 - 6:50 AM

 قلّما يجتمع في شخصية واحدة عمق المؤرخ الأكاديمي، ودأب الصحفي اليومي، وحيوية المثقف الذي لا يكتفي بكتابة الماضي بل يحاوره ويقدّمه بلغة الحاضر. الدكتور إبراهيم خليل العلاف، أحد أبرز مؤرخي العراق المعاصرين، لم يكن شاهدًا على تاريخ بلاده الحديث فحسب، بل كان مشاركًا في تدوينه وتحليله وتعليمه ونشره على مدى أكثر من ستة عقود، في الجامعة والصحافة والتلفزيون ومراكز البحث، ثم في الفضاء الرقمي الذي حوّله إلى منصة مفتوحة للمحاضرة والتنوير.
في هذا الحوار المطوّل، يعود العلاف إلى محلة رأس الكور في الموصل حيث تشكّل وعيه الأول، وإلى مكتبة والده التي صنعت قارئًا نهمًا وباحثًا صبورًا، ويتوقف عند تجربته في الصحافة والدراسة الأكاديمية، ومنهجه في التعامل مع الوثائق والمذكرات، ورؤيته لتطور المدرسة التاريخية العراقية، ودوره في إدارة المراكز البحثية، وإنتاجه الغزير، وعلاقته الخاصة بمدينته الموصل. كما يقدّم خلاصة فكرية موجزة للأجيال الجديدة تختصرها عبارته الشهيرة: «الذي لا يتغير يتعفن».
حوار يكشف سيرة عقل لا يهدأ، ومؤرخ آمن بأن التاريخ ليس حكاية الماضي فقط، بل أداة لفهم الحاضر وبناء المستقبل.
* اهلا ومرحبا بكم دكتور وانت اليوم ضيف الزوراء بكل تقدير .
ـ اهلا ومرحبا بكم وبالزوراء اول جريدة عراقية.
* السؤال الاول وُلدتم في محلة رأس الكور، إحدى أقدم محلات الموصل. كيف أثّرت هذه البيئة والتراث المحلي في وعيكم المبكر واتجاهكم نحو التاريخ؟
ـ نعم، كانت ولادتي في محلة رأس الكور، وهي من أقدم محلات مدينة الموصل، وتُسمّى أيضًا محلة الكوازين، إذ اشتهرت بصناعة الأدوات الفخارية المنزلية مثل حبّ الماء والبراني والتنور وشربات الماء. هذه المحلة ليست مكانًا عاديًا للسكن، بل فضاء تاريخي حيّ؛ ففيها أول جامع بناه العرب والمسلمون عند دخولهم الموصل وفتحها سنة 16 للهجرة الموافق 637 للميلاد، ويُعرف اليوم بجامع المصفى نسبة إلى الوجيه مصطفى مصفي الذهب الذي عمّره لاحقًا، وفيه منارة بدائية بسيطة التكوين في طرازها المعماري. وفي هذه المحلة أيضًا تقع قلعة الموصل المعروفة لدى الموصليين باسم “قليعات”، وهي أعلى منطقة في المدينة، إذ ترتفع عن نهر دجلة نحو خمسة وعشرين مترًا، وتُعد أصل مدينة الموصل، وتقابل على الضفة الشرقية لدجلة العاصمة الآشورية نينوى. كل هذه المعالم التاريخية العميقة خلقت عندي شعورًا مبكرًا بأنني أعيش في مكان استثنائي، جزء من ذاكرة العراق وتاريخه الطويل.
 لذلك وجدت نفسي أعيش وجدانيًا أحداث التاريخ ووقائعه، ونشأت محبًا للتاريخ والتراث، لا بوصفهما مواد دراسية فحسب، بل بوصفهما جزءًا        من  تكويني النفسي والوجداني.
* متى بدأت ملامح اهتمامكم بالقراءة والكتابة؟ وهل تتذكرون أول كتاب أشعل شغفكم بالتاريخ؟
ـ أنا من مواليد سنة 1945، وهي سنة انتهاء الحرب العالمية الثانية. جيلنا، جيل ما بعد الحرب، كان يتطلع إلى كل ما هو جديد على مستوى العراق والوطن العربي والعالم. كنا نتابع أخبار الحرب حتى بعد انتهائها بسنوات عبر مجلات عديدة، منها مجلات متخصصة بالحرب ومجلة اسمها “العالم”.
 لكن التحول الحقيقي في علاقتي بالقراءة جاء من مكتبة أنشأها والدي خليل أحمد حامد العلاف، وكان تاجر حبوب، ولا سيما الحنطة والشعير.
في تلك المكتبة وجدت مؤلفات مصطفى المنفلوطي، وأحمد أمين وخاصة كتابه الشهير “ضحى الإسلام” بأجزائه الثلاثة، وكتب طه حسين ومنها “الأيام”، ومؤلفات مصطفى صادق الرافعي، وكتاب “اعترافات” جان جاك روسو، وروايات ذو النون أيوب، ومؤلفات جبران خليل جبران ولا سيما كتابه “النبي”.
أستطيع القول إن أول كتاب جذب انتباهي بعمق هو “ضحى الإسلام” لأحمد أمين، وما زال هذا الكتاب موجودًا في مكتبتي حتى اليوم. كما وجدت كتابًا مهمًا آخر هو “تاريخ مقدرات العراق السياسية” للفريق الركن محمد أمين العمري، واحتفلنا قبل أيام في معرض الموصل الدولي للكتاب بمرور مئة سنة على صدوره. هذه المكتبة التي بدأت في بيت والدي طوّرتها لاحقًا، وهي اليوم تشغل ثلاث غرف في داري بحي النور في الموصل.
أما اهتمامي الجدي بالقراءة فقد بدأ وأنا تلميذ في الصف الخامس الابتدائي في مدرسة أبي تمام في محلة عبدو خوب القريبة من رأس الكور، حيث وجدت معلمين بارزين فتحوا أمامي طريق القراءة، منهم الأستاذ محمد إسماعيل مصطفى والأستاذ إبراهيم بطرس إبراهيم.
* مارستم الصحافة منذ عام 1964، قبل تخرجكم الجامعي. كيف تداخلت الصحافة مع تكوينكم الأكاديمي؟
ـ كان لدي شغف مبكر بالصحافة، وكنت أرى في مدينتي الموصل صحفًا مهمة مثل جريدة “فتى العراق” لصاحبها الأستاذ إبراهيم الجلبي رحمه الله. 
بدأت أذهب إليه بمقالاتي مباشرة، فيعدني بنشرها، ثم أجدها منشورة بعد أيام باسمي، وكان لذلك أثر كبير في تشجيعي. كتبت لاحقًا في جريدة “الجمهورية” البغدادية في السبعينيات، ثم أصبحت كاتبًا في جريدة “الثورة” في الثمانينيات وما بعدها براتب ثابت، وكنت مصنفًا كاتبًا مميزًا من الصنف “أ”. أساتذتي في الجامعة، ولا سيما في قسم التاريخ بكلية التربية، شجعوني كثيرًا على هذا التوجه، ومنهم الدكتور عبد الله الفياض، والدكتور فيصل السامر، والدكتور فاضل حسين، والدكتور عبد القادر أحمد اليوسف، وبعضهم بعث لي رسائل تشيد بكتابتي وتشجعني على الاستمرار.
يقينًا استفدت من تكويني الأكاديمي في الكتابة الصحفية، وما زلت أعدّ نفسي كاتبًا وصحفيًا وناقدًا ثقافيًا وأستاذًا متمرّسًا في التاريخ الحديث والمعاصر. ويسعدني أن كتاباتي يتابعها اليوم قرابة أربعة ملايين قارئ عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، من خلال صفحتي ومدونتي “مدونة الدكتور إبراهيم العلاف” وموقعي الفرعي في “الحوار المتمدن”.
* ما الفارق الذي أحدثته مرحلتا الماجستير والدكتوراه في بلورة منهجكم البحثي؟
ـ في رسالة الماجستير عملت مع الأستاذ الدكتور عبد القادر أحمد اليوسف وكتبت عن ولاية الموصل بين سنتي 1908 و1922، وهي الفترة التي مهدت لإثارة مشكلة الموصل عندما لم يعترف الأتراك باحتلال الإنكليز لها بعد إعلان الهدنة، ثم تدخلت بريطانيا وعصبة الأمم وأكدت لجنة التحقيق صيرورة الولاية جزءًا من الدولة العراقية الحديثة. 
أما في الدكتوراه فدرست السياسة التعليمية في العراق بين 1914 و1932، واضطررت للاعتماد على الوثائق فسافرت إلى لندن وبحثت في الأرشيف البريطاني بكيو كاردنز، ومكتبة الهند ووثائقها في أوربت هاوس، ومكتبة سواس، ومكتبة المتحف البريطاني.
 هذا كله أسهم في ترسيخ منهجي القائم على العودة إلى المصادر الأصلية، والتنصيص والتهميش، والتحليل والنقد، ورفض التفسير الأحادي، والأخذ بتعدد الأسباب والعوامل، وهو منهج التزمت به المدرسة التاريخية العراقية المعاصرة، وعبّرت عنه أيضًا في كتابي «مع التاريخ في طبيعته ومدارسه».
* كيف تشكل وعيكم المنهجي في قراءة المصادر، ولاسيما المذكرات الشخصية؟
ـ التاريخ شيء والتأريخ شيء آخر؛ فالتاريخ هو الأحداث، أما التأريخ فهو دراستها وتحليلها، ولا تاريخ بلا مصادر. 
والمصادر أنواع، منها الوثائق والكتب والصحف والمقالات والمقابلات والمراسلات والمذكرات. والمذكرات مهمة لكنها تؤخذ بحذر لأن صاحبها غالبًا ما يضخم ذاته ويجعل نفسه محور الأحداث. لي دراسة منشورة عن مذكرات الضباط الأحرار في العراق كمصدر لكتابة تاريخ ثورة 14 تموز 1958، وهي مثال على ضرورة النقد والتمحيص لا مجرد النقل.
* ما أبرز التحديات في بداياتكم الأكاديمية؟
ـ من أهمها عدم توفر الوثائق داخل العراق. عندما بدأت البحث في تاريخ التعليم راجعت وزارة المعارف فقيل إن فيضان 1946 أتلف الوثائق، فكان الحل السفر إلى لندن. 
كما راسلت سياسيين تولوا مسؤوليات تربوية، مثل الدكتور محمد فاضل الجمالي والدكتور عبد الحميد كاظم. الباحث عليه أن يتحرك لتذليل الصعاب والوصول إلى المعلومة.
* هل كنتم ترون أنفسكم مؤرخًا أكاديميًا أم كاتبًا يخاطب المجتمع؟
ـ في البدايات كنت تلميذًا أتعلم على أيدي أساتذة كبار كانوا علماء ومربين في الوقت نفسه. تعلمنا منهم العلم والسلوك والتواضع. كنت أتطلع لأن أكون قريبًا من الطلبة والناس معًا، وكان شعاري «أن أجعل من التاريخ علمًا شعبيًا». كتبت عن البسطاء كما عن الملوك والرؤساء، وخاطبت المجتمع عبر المحاضرات العامة والبرامج التلفزيونية مثل «موصليات» و«شذرات»، واليوم عبر الصحافة ومنصات التواصل، وما زلت أكتب وأنشر   وقد تجاوزت الثمانين.
* كيف تقيمون تطور البحث التاريخي في العراق؟
ـ أشرفت على عدد كبير من رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه وناقشت الكثير منها. المدرسة التاريخية العراقية بأجيالها الخمسة مدرسة رصينة ودقيقة، وما زالت تتطور وتضيف، لكنها تحتاج إلى مزيد من التنويع وتأكيد حضورها عالميًا.
* ماذا أضافت لكم إدارة مركز الدراسات التركية؟
ـ إدارة مركز بحثي تجربة مهمة؛ فالمراكز البحثية خزائن للمعرفة وأداة لصانع القرار. من خلالها نشأت علاقات واسعة مع أكاديميين وسياسيين وخبراء داخل العراق وخارجه، وأسهم ذلك في دعم مشروعي الفكري وتنفيذه عبر الندوات والمؤتمرات والبحوث.
* كيف حافظتم على هذا الإنتاج الغزير؟
ـ لدي برنامج يعتمد على دوائر اهتمام تبدأ بالموصل ثم العراق فالوطن العربي فالدول المجاورة فالعالم، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا. التاريخ أبو العلوم، ولا يكتب من دون الإحاطة بالعلوم المساعدة. ورغم تقدمي في العمر ما زلت أعمل لساعات طويلة.
* أي كتبكم أقرب إلى قلبكم؟
ـ كتاب «تاريخ الوطن العربي في العهد العثماني 1516–1916»، لأنه تناول الوطن العربي أفقيًا عبر الظواهر لا الدول، وما زال يدرّس في الجامعات.
* ما معنى الكتابة عن الموصل بالنسبة لكم؟
ـ التاريخ المحلي وفاء للهوية الوطنية، وضرورة لفهم البيئة التي نعيش فيها والعمل على تطويرها.
* كيف ترون دور التلفزيون والمنصات الرقمية؟
ـ التلفزيون والإنترنت وسيلتان مهمتان لنشر المعرفة. وبعد التقاعد أصبحت منصات التواصل امتدادًا للجامعة، أحاضر من خلالها لآلاف بل لملايين المتابعين.
* كيف تنظرون إلى الألقاب التي أطلقت عليكم؟
ـ هي نتيجة عملي المبكر في الإنترنت وتأسيس اتحاد كتاب الإنترنت العراقيين، وتأليفي «موسوعة المؤرخين العراقيين المعاصرين»، وهي ألقاب أعتز بها لأنها تعكس تجربة طويلة.
* ماذا يعني أن تصبحوا موضوعًا للبحث؟
ـ أمر يفرحني ويدفعني لتقديم المزيد، فالإنسان يخلد بعمله.
* ما رسالتكم للأجيال الجديدة؟
ـ أؤمن بالتغيير والتنوير، ومن لا يتغير يتعفن. زكاة العلم نشره، والعمل والأمل واجبان، والتاريخ ندرسه لنفهم الحاضر ونتطلع إلى المستقبل.


تابعنا على
تصميم وتطوير