رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
حين تتهيأ السنابل ذاكرة الاستعداد للحصاد


المشاهدات 1100
تاريخ الإضافة 2026/01/18 - 9:35 PM
آخر تحديث 2026/01/19 - 7:09 AM

 يمثل موسم الحصاد في الريف العراقي أكثر من مجرد نشاط زراعي دوري؛ إنه طقس اجتماعي وثقافي متجذّر في الذاكرة الشعبية، تختلط فيه مشاعر التعب بالأمل، وتتعانق فيه الأرض مع الإنسان في علاقة قديمة بقدم الحضارة. وقبل أن تحين ساعة المنجل، تبدأ قرى العراق بالدخول في مرحلة خاصة من الاستعداد، تتحول فيها الأيام إلى سلسلة من الطقوس والعادات التي تحفظها الذاكرة جيلاً بعد جيل.
في الريف العراقي، لا يأتي الحصاد فجأة، بل تسبقه أيام طويلة من الترقّب والعمل الصامت. يراقب الفلاحون تغيّر لون السنابل من الأخضر إلى الذهبي، ويعدّون ذلك إشارة سماوية ببدء العدّ التنازلي لموسم التعب والفرح معًا.
تبدأ الاستعدادات بتنظيف المناجل وشحذها، وإصلاح المحاريث القديمة، وتجهيز الأكياس المصنوعة من الخيش، التي ستحتضن محصول القمح أو الشعير. وفي البيوت، تنشغل النساء بخياطة ما تمزق من الملابس الثقيلة، وتحضير أوعية الماء والطعام التي سترافق الرجال إلى الحقول منذ الفجر.
للحصاد ذاكرته الخاصة في أحاديث الكبار؛ قصص عن سنوات الخير وسنوات القحط، وعن أيام كانت فيها السنابل أطول من القامة، وعن مواسم اضطر فيها الناس إلى اقتسام الرغيف بصبر ورضا. وتتحول ليالي ما قبل الحصاد إلى مجالس سمر ريفية، يُذكر فيها اسم الله كثيرًا، وتُستعاد الأدعية القديمة بأن يكون الموسم وفيرًا، وأن تُبعد عنه النار والريح والآفات. أما الأطفال، فلهم نصيبهم من هذه الذاكرة؛ يرافقون آباءهم إلى أطراف الحقول، يركضون بين السنابل، ويجمعون ما يتساقط من حبوب، فيتعلمون منذ الصغر أن الخبز لا يأتي من الدكان فقط، بل من عرق الجباه وتعب الأيدي.
وهكذا، يبقى الاستعداد للحصاد في الريف العراقي صفحة حيّة من كتاب الذاكرة الجماعية، تختصر علاقة الإنسان بأرضه، وتُجسد معنى الصبر والانتظار، وتؤكد أن المواسم الزراعية ليست مجرد فصول زمنية، بل حكايات إنسانية تتكرر بصيغ مختلفة، وتحمل في طياتها روح المكان وأصالة أهله.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير