
ليس أجمل من أن يلتقي الأستاذ بتلميذه بعد سنوات، لا في قاعة الدرس هذه المرّة، بل في فضاء التأليف والمعرفة. وقد أسعدني أن يهديني تلميذي القديم قاسم جمعة كتابه الجديد الموسوم «خيانة الصورة أو كيف يفكر الفلاسفة باللوحة؟» الصادر عن دار ومكتبة عدنان. وهذا اللقاء الجديد لا يتمثل هذه المرة في ورقة امتحان أو مناقشة صفّية، بل في كتابٍ يشي بأن «التلميذ» لم يغادر الدرس، بل حمله معه إلى مشروعه الخاص، وأضاف إليه نبرة استقلاله الفكري وجرأته في طرح الأسئلة. ومنذ عنوانه، يفتح الكتاب باباً واسعاً للتأمل: هل تخون الصورة الحقيقة أم تكشفها ؟ وهل اللوحة مرآة للعالم أم إعادة تصنيع له؟ فـ «الخيانة» هنا ليست شتيمة للصورة، بل توصيف فلسفي لوظيفتها المعقدة، لأن الصورة لا تنقل الواقع كما هو، بل تعيد صياغته وفق قوانينها، وقد تجرّ المتلقي إلى وهم الاكتمال بأن ما رآه هو الحقيقة كلها، أو حقيقتها النهائية. يمضي المؤلف من مدخل نظري يضع الصورة في قلب سؤال الحقيقة، مستحضراً إشراقات فلسفية تؤطّر موقفه: أدورنو يرى أن الأثر الفني شهادة على أن هذا العالم ينبغي أن يصبح شيئاً آخر، بما يعني أن الفن ليس ترفاً بل نقدٌ للعالم ومحاولة لإزاحته عن سكونه. وأندريه مالرو يلمّح إلى انقلاب العلاقة بين الشيء واللوحة، حين يصبح الشيء تابعاً للوحة لا العكس. أما جاك دريدا فيحسم العبارة بتركيز لافت «حقيقة اللوحة تكون في اللوحة»، أي أن العمل الفني لا يُقاس بمدى مطابقته للواقع، بل بمنطقه الداخلي وقدرته على إنتاج معنى. تكشف فهارس الكتاب عن بنية مدروسة ومتشعبة، إذ يتناول فلسفة اللوحة بين فعل «الخيانة» وفعل «الوعي»، ويتقدم عبر محطات فلسفية مهمة مثل هايدغر وسؤال الحقيقة، ثم فوكو بوصفه « متأملاً خارج اللوحة» يناقش علاقة الرؤية بالسلطة والمعرفة، ثم ميرلوبونتي الذي يربط اللوحة بالجسد والإدراك والوعي البصري، وصولاً إلى فالتربنيامين حيث لا تعود الجماليات بريئة، بل تتحول إلى مجال للصراع والتسييس والتأثير. ثم يربط ذلك بزمننا الحديث حيث باتت صور الحروب والكوارث والجائحة تتكرر أمامنا حتى بلا حس تراجيدي، وكأن المرئيّ فقد قدرته على الإيلام، وصار الاعتياد بديلاً عن الصدمة. وهنا تكتسب فكرة «الخيانة» معناها الأعمق، فالصورة قد تخون الإنسان لا لأنها تكذب، بل لأنها تُميت حساسيته بالتكرار.
في المحصلة، يقدّم قاسم جمعة كتاباً لا يهادن القارئ ولا يمنحه أجوبة جاهزة، بل يورطه في السؤال: هل الصورة معرفة أم تضليل؟ هل اللوحة تكشف العالم أم تعيد ترتيبه؟ إنه كتاب يضع الفن داخل فلسفة الحياة اليومية، ويجعل اللوحة ليست شيئاً نراه فقط، بل شيئاً يعيد تشكيل وعينا بالعالم، وربما يعيد تشكيل وعينا بأنفسنا أيضاً .