
استشرت، في الأشهر الأخيرة بالعراق، ظاهرة لافتة مثيرة للانتباه، تتجسد في قيام بعض مشاهير السوشيال ميديا بإطلاق منتجات من نوع “جبس” تحمل أسماءهم، وتُسوَّق عبر المنصات الرقمية بطريقة مبالغ بها مرفقة، غالبا، بجوائز تتضمن سيارات وهواتف وقطع ذهب ومبالغ مالية .
المفارقة ان بعض هؤلاء المشاهير قد تم القبض عليهم سابقا بمخالفات تتعلق بنشر و “ تسويق “ المحتوى الهابط على مواقع التواصل، ومع ذلك، أصبحوا فجأة مروجين “ يسوقون “ لنمط معين من الغذاء من خلال مخاطبة جمهور واسع، بينهم أطفال ومراهقون.
الموضوع بحد ذاته يستحق التحليل، لأنه يرتبط بابعاد صحية، رقمية، اقتصادية، نفسية وقانونية في آنٍ واحد، فهو لا يتعلق بالغذاء فقط، بل يمس طريقة تشكيل الرغبة، واستثمار الانتباه، واستغلال الطفولة، وتحويل الثقة إلى سلعة، وغياب المعايير في سوق تحكمه المنصات والفوضى أكثر مما تحكمه المؤسسات الرصينة.
ولذلك نطرح هنا مجموعة مشروعة من الأسئلة حول هذا الموضوع:
أولا:هل هذه الظاهرة موجودة في دول أخرى بهذا الحجم، أم أننا أمام حالة محلية استثنائية تعكس خصوصية او شذوذا في السوق العراقي أو في تنظيمه؟
ثانيا:هل هذه المنتجات خضعت فعلا للفحوصات الصحية والرقابة الغذائية اللازمة، وهل صُنعت وفق معايير واضحة تضمن سلامتها، خصوصا عندما لا يكون من يقف ورائها شركة غذائية متخصصة بل مجرد مشهور منصة؟
ثالثا:من يتحمّل المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن تسويق منتج غذائي عالي الملح والدهون إلى جمهور معظمه من الأطفال والمراهقين، من خلال مؤثرين يعرفون أن جمهورهم غير قادر على التمييز بين الإعلان والترفيه والربح والغذاء الصحي؟
رابعا:هل في ربط شراء الجبس بالهدايا والجوائز، مع غياب الوضوح حول نسب الفوز وآليات التوزيع، نوع من الخداع السلوكي الذي يدفع إلى الاستهلاك بدافع الوهم لا الحاجة، ويُدخل منطق المقامرة إلى عمليات الشراء ؟
خامسا:أين تقف الجهات الرقابية والمنصات الرقمية من هذا النموذج الجديد من التجارة، وهل نحن أمام تجارة بريئة، أم أمام نمط استهلاك يُضخَّم خوارزميا ويستثمر في الأمل والانتباه أكثر مما يستثمر في الجودة؟
سادسا:هل من الصحيح أن يتحول شخص عوقب بسبب محتوى هابط إلى مرجع تجاري يُسوّق منتجا غذائيا للجمهور؟
هذه الأسئلة لا تهدف إلى الاتهام، او المحاكمة، بل إلى الفهم والاحاطة بجوانب هذا الموضوع الذي أصبح ضجيجا ومبالغا به بشكل غير معقول، فالموضوع لا يتعلق بكونه جبسا فقط، بل أصبحت ظاهرة تمس الصحة العامة، والسوق، والمراقبة، والاعلانات، والوعي الاستهلاكي، ودور المنصات، وحدود الشهرة نفسها.
ومع أننا نعترف بأن مثل هذه الظواهر قد وفّرت العديد من فرص العمل لبعض الشباب العاطلين، إلا أن هذه الميزة الإيجابية لا ينبغي أن تمنعنا من نقد الظاهرة ومراقبة ما يجري فيها، وإجراء مراجعة حقيقية لشروط وكيفية إنتاج هذه الأغذية، ومعرفة مدى سلامتها، فضلًا عن التحقق من مدى التزامها بالمعايير الأخلاقية والقانونية، خاصة عندما يكون الجمهور المستهدف من الأطفال والمراهقين.