
دخلت قضية النزاع المفتعل في الصحراء المغربية منعطفا جديدا يؤشر على أن الطريق نحو الشروع في مفاوضات حول تنزيل القرار رقم 27/97 الذي اتخذه مجلس الأمن الدولي بتاريخ 31 تشرين الثاني من السنة الماضية ، والذي اعتبر مشروع الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب منذ سنة 2007 الصبغة الأكثر ملائمة لتسوية هذا النزاع. فقد أكدت مصادر جدا موثوقة هنا في الرباط أن الحكومة الجزائرية أعلنت قبل أيام قليلة من اليوم موافقتها المشاركة في مسلسل المفاوضات المباشرة التي ستجري بين أطراف النزاع لبحث سبل تنزيل القرار الأممي، وهي التي كانت تمانع في ذلك بذريعة أن طرفي النزاع يقتصران على المغرب وجبهة البوليساريو الانفصالية. وكان الخلاف حول صيغة الأطراف المعنية بهذه المفاوضات الواردة في قرار الأممي انطلق مباشرة بعد مصادقة مجلس الأمن الدولي على القرار 27/97، وتحديدا في ترجمة منطوق هذا القرار من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية، إذ جاء في الصيغة النهائية للقرار دعوة أطراف النزاع إلى الانخراط مباشرة في المفاوضات، وتمثل الخلاف في هذه المرحلة في ترجمة الفقرة الخاصة بهذه المفاوضات، حيث اعتبرت الجزائر أن هذه الدعوة تهم طرفين فقط، في حين رد المغرب بأن اللغة الإنجليزية لا تفرق بين المثنى والجمع، ولذلك فإن التعبير الوارد بهم الأطراف وليس طرفين فقط، وفي النهاية انتصرت الترجمة الرسمية للأمم المتحدة للموقف المغربي، بأن الدعوة إلى المشاركة في المفاوضات تهم أطراف النزاع جميعهم، وهم المغرب و جبهة البوليساريو الانفصالية والجزائر وموريتانيا . لكن مع كل ذلك أصرت الحكومة الجزائرية على موقفها وامتنعت عن الإعلان على موافقتها على المشاركة في المفاوضات المباشرة .والواضح أن سببا قويا كان وراء التغيير المفاجئ في الموقف الجزائري، لا يستبعد المراقبون أنه كان نتيجة ضغوط قوية مارستها الإدارة الأمريكية على الجزائر في هذا الصدد، إضافة إلى ما يشبه إجماع القوى العظمى على هذا الخيار بما في ذلك روسيا والصين ، إضافة إلى جميع الدول الغربية، مما قد يكون دفع الجزائر إلى إبداء نوع من التفهم في هذا الشأن. ورغم أن جبهة البوليساريو الانفصالية لا تزال تبدي معارضتها الشديدة للمشاركة في مسلسل المفاوضات، إلا أن موافقة الجزائر لم تترك أمام قادتها خيارا آخر غير تغيير موقفها واللحاق براعيتها الأولى.. هذا التطور الكبير يؤشر بكل تأكيد على اقتراب موعد انطلاق هذه المفاوضات التي ستكون صعبة ومعقدة ، لأنها ستنقل النزاع إلى مرحلة البحث عن صيغة متفق عليها لتنزيل القرار الأممي بما يضمن تسوية نهائية لهذا النزاع الذي عمّر اكثر من نصف قرن، وهي المفاوضات التي ستحتضنها الولايات المتحدة الأمريكية تحت إشراف أممي لكن برعاية مباشرة من الإدارة الأمريكية، ومن المفروض أن تتجلى مؤشراتها الأولى لهذه المفاوضات قبل نهاية شهر نيسان المقبل، وهو الموعد الذي سيقدم فيه المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في الصحراء المغربية إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن الذي ينتظر أن يعقد في هذا الموعد جلسة لتقييم تنفيذ وتنزيل قراره رقم 27/97 .. فهل يمثل هذا التطور منعرجا حاسما في مسار نزاع إقليمي ظل يراوح مكانه طيلة أكثر من نصف قرن، ويكون بذلك أول مؤشر إيجابي يفتح آفاقاً ملائمة لتسوية منتظرة منذ عقود ؟