رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
ترامب حين يتكلم يسقط القناع عن السياسة


المشاهدات 1122
تاريخ الإضافة 2026/01/13 - 10:35 PM
آخر تحديث 2026/01/15 - 7:30 AM

لم يفعل دونالد ترامب شيئًا خارقًا في جوهر السياسة، لكنه فعل ما لم يجرؤ عليه غيره: قال ما كان يُقال همسًا، وأظهر ما كان يُدار من خلف الستار. بوقاحته المقصودة، ووضوحه الفجّ، ألغى عمليًا دور طبقة كاملة من المحللين السياسيين الذين اعتاشوا طويلًا على تفكيك الإشارات، وقراءة ما بين السطور، وتأويل الصمت أكثر من الكلام.
قبل ترامب، كانت السياسة تُدار بلغة مزدوجة: خطاب علني مهذّب، ورسائل خفية تحتاج إلى خبراء لفك شيفرتها. بيان مقتضب قد يعني تهديدًا، وابتسامة دبلوماسية قد تخفي حربًا، وصمتٌ طويل قد يكون أخطر من ألف تصريح. هنا وُلدت مهنة “المحلل”، الذي يشرح للناس ما لا يُقال، ويخمّن المقصود مما لم يُصرّح به.
جاء ترامب وقلب الطاولة. قال للحلفاء: أنتم عبء. قال للأعداء: سنخنقكم. قال للإعلام: أنتم كاذبون. قال للمؤسسات: لا أحتاجكم. لا استعارات، لا دبلوماسية ناعمة، لا رسائل مبطّنة. السياسة خرجت من غرف التحليل إلى منصة “تويتر”، ومن لغة البيانات إلى لغة الشارع، ومن الغموض المدروس إلى الفجاجة المتعمدة.
بهذا المعنى، لم يُفلس ترامب المحللين لأنهم غير أكفاء، بل لأنه سحب منهم المادة الخام لعملهم. ماذا سيفعل محلل سياسي أمام رئيس يقول: سأنسحب ثم ينسحب؟ أو يقول: سأفرض عقوبات ثم يوقّعها أمام الكاميرات؟ أين مساحة التأويل حين تكون النية مُعلنة، والقرار مُصرّحًا به، والوقاحة نفسها جزءًا من الرسالة؟
لكن الخطير في هذه الظاهرة ليس تهميش المحللين، بل تطبيع الوقاحة بوصفها أسلوب حكم. فوضوح ترامب لم يكن صدقًا سياسيًا، بل تعرية فظة لمنطق القوة العاري. هو لم يكشف السياسة، بل كشف انحطاطها حين تُدار بلا أقنعة: مصالح بلا قيم، قوة بلا أخلاق، وقرارات تُتخذ بمنطق التاجر لا رجل الدولة.
لقد جعل ترامب السياسة مفهومة لعامة الناس، نعم، لكنه جعلها أيضًا أكثر قسوة، وأقل إنسانية. وحين تختفي الحاجة إلى التفكيك، فهذا لا يعني بالضرورة أن الحقيقة انتصرت، بل قد يعني أن الكذب بات يُقال بصوت عالٍ، دون خجل، ودون حاجة إلى تزيين.
في زمن ترامب، لم يمت التحليل السياسي، لكنه فقد براءته. لم يعد السؤال: ماذا يقصد؟ بل: كيف سيُنفّذ؟، ولم تعد السياسة فن الممكن، بل استعراض الممكن بالقوة. وهنا تحديدًا، تبدأ أخطر مراحل السياسة… حين تصبح الوقاحة سياسة، والوضوح سلاحًا، والصراحة غطاءً للفوضى.


تابعنا على
تصميم وتطوير