
أيام زمن الإذاعة الزاهر حيث الراديو بدءا من الصندوق الخشبي الذي تحول لاحقا الى مخزن للبيبسي والكاكو كولا الى الترانسيستور الذي أحدث ثورة عند نزوله الى الأسواق كان من بين البرامج الشهيرة آنذاك “قل ولا تقل” للعلامة الكبير مصطفى جواد رحمه الله. كان كل العراقيين من كل مناطق العراق سواء تلك التي تضع مفردة “جا” التي إختص بها أهل الجنوب أو “لعد” التي تكاد تكون بغدادية خالصة مع بعض مناطق الوسط و”عجل” التي إختص بها أهالي المناطق الغربية من العراق يستمعون ويتمتعون بالسماع الى هذا البرنامج . كان كل العراقيين يتعكزون عند الكلام على هذه المفردات التي تبدو وحدها لا معنى لها. فليس هناك معنى لغوي لمفردة مثل “جا” المفخمة ولا لمفردة “لعد” ولا “عجل” لكنها تبدو من حيث السياق تقوم بدور التنبيه أو التلخيص أو التشويق أحيانا. لم يتنبه أحد الى أي مدلول سياسي أو عنصري أو طائفي أو عرقي لإستخدام مثل هذه المفردات أو العبارات. فالعراقيون من كل القوميات والأديان والمذاهب إعتادوا على التعامل فيما بينهم خارج نطاق مدلولات اللغة حتى على صعيد الإنحيازات في المعنى أو الدلالة.
لذلك فإن إستخدام عبارة “جاخوش” يلخص كل ما يريد المرء قوله في حال أراد التعبير عن موقف من شيء ما قد لايبدو رائقا له أو موافقا عليه او متماهيا معه. فهذه العبارة الجنوبية الخالصة تفيد التلخيص أو التكثيف كبديل عن تعليق كاشف للمعنى الذي يراد التعببر عنه. ومع أن مفردة “لعد” بغدادية خالصة لكن تم تصديرها الى بعض المناطق الوسطى القريبة من بغداد. تبقى مفردة “عجل” التي أصبح لها مدلول سياسي بعد أن خرجت المفردة من سياق التداول المجتمعي الى سياق مرتبط بالسلطة آنذاك لجهة كون بعض كبار المسؤولين وقتذاك ولكونهم ينتمون الى بعض المحافظات الغربية يستخدمون مفردة “عجل” في خطابهم اليومي, بل بعضهم كان يوغل في إستخدامها كثيرا مما جعلها وكإنها دالة على فريق سياسي يريد أن يفرض لغة تخاطب معينة بين الناس مع أن المفردات الأخرى مثل لعد وجا دائمة الإستعمال لكنها كانت تبدو ذات إستخدام مواز بينما تبدو “عجل” وكأنها المفردة الرسمية بشكل ما. لكن في النهاية وبعيدا عن أي وجهات نظر مسبقة فإن كل المفردات أو العبارات التي ذكرناها في سياق هذا المقال ليست ذات حمولات سياسية بل هي نتاج مجتمع وبيئة ومناخ وتأثيرات تجمع بين ماهو أنثربولوجي أو أيديولوجي جغرافي لايحتمل تأويلات تتضمن إسقاطات مسبقة الإ لمن يتقصد ذلك.. أي كمن يبحث عن .. حب ركي.