
كثيرة هي الكلمات التي حملت عند إطلاقها معاني غير التي تعارف عليها الناس لاحقاً، ويفسرها اللغويون على أنها (تحول دلالة) إذا كان للكلمة معنى، ثم تحول إلى معنى آخر، كمفردة (البأس) التي كانت تدل على الحرب ثم صارت تطلق على كل شدة، أو هي (انحطاط دلالة) إذا كان للكلمة معنى مقبول اجتماعياً، ثم تحول إلى معنى غير مقبول، كالصَّرم، بمعنى القطع، حيث يقال: سيف صارم، بمعنى بتّار، ثم تحول وصار دلالة اجتماعية على مخرج الفضلات من الإنسان، ويستعمل في كثير من الأحيان كلفظ من ألفاظ الشتيمة!.
و(الفرهود) إحدى هذه المفردات ذات الدلالة المنحطة!، فهي -ابتداءً - من أشهر الألفاظ البريئة التي تحولت دلالتها لأفعال غير بريئة، حيث كانت مفردة خاملة في القاموس الشعبي العراقي لزمن طويل، لكنها سرعان ما انتعشت في أوقات الحروب، وسوء الخطوب، فخلفت في ذاكرة المجتمع كثرة من الندوب، وسجلت في تاريخه صفحات من الذنوب!.
الفرهود أيام البراءة
الفرهود مفردة ليست عراقية باتفاق الجميع، منهم من عزاها للفرس، ومنهم من عزاها للترك، وآخرون حسموا النسبة فعزوها للأعاجم.
ينطق المجتمع - العراقي عامة والبغدادي بوجه خاص - المفردة بفتح الفاء (فَرهود)، ويرى البعض أن الصواب ضمها (فُرهود)، وفريق ثالث يرى جواز الوجهين، فتح الفاء وضمها.
ويجمع الفرهود – قبل تحول دلالته - بين عدد من المعاني الجميلة والمقبولة اجتماعياً، فالكلمة «فرهود لها ثلاث معان: ممتلئ الوجه، صبيح الوجه، الأديب الفاضل».
تصوّر -حسب هذا المعنى – ما سيحدث عندما أقول لأحد أساتذتي من الأدباء والكتاب: «دمت بخبر أيها الفرهود الفاصل !».
والفرهود أيضاً هو «الممتلئ الحسن، ولد الوعل أو الشاة أو الأسد، وتفرهد الغلام: سَمُن وجَمُل، من الفارسية (فرهومند) وتعني الحسن الوجه، و(فروهيده) وتعني المقبول، والفَرهد والفُرهد لغتان فيه»، حسب: معجم الألفاظ المحكية المشتركة.
وللفرهود اهتمام آخر في مصادر عدة مثل : موسوعة التراث البغدادي، و: تطور الدلالة المعجمية بين العامي والفصيح.
إلى هنا وأمور (الفرهود) طيبة حتى مرت بالعراق مجموعة حوادث أطفأت أنوار معناه، ولطخت بياضه بالسواد!.
الفرهود أيام الفتن
استخرج العراقيون مصطلح الفرهود من قاموسهم الاجتماعي ليربطوه -بشكل وثيق -بحادثتين بينهما 38 سنة، الأولى: عام 1941 وأحد طرفيها اليهود، والثانية: عام 2003 وأحد طرفيها الأمريكان والبريطانيون، مع أنه لا علاقة للحادثتين بمعنى الفرهود -الذي مر بنا -لا من بعيد ولا من قريب!.
الحادثة الأولى عام 1941
يحكي مصدر أن اليهود كانوا مبتهجين بعودة الوصي وبطانته الى عرش العراق في 1 من حزيران 1941 بعد هزيمة رشيد عالي الكيلاني، «وصدف ذلك اليوم أنه كان يوم عيد النبي يوشع، وهو من أعياد اليهود، وقد لجأوا إلى المبالغة في إظهار فرحهم وشماتتهم، مما أدى إلى استفزاز المواطنين العرب والمسلمين الذين شعروا بمرارة الهزيمة، وكان رد فعل بعض سكان بغداد على هذه الإحتفالات أن هجموا على الأحياء اليهودية، وقاموا بنهب بعض البيوت أو تحطيم أثاثها، وقد استمر هذا لوقت قصير»،
وفي مصدر آخر أن الفرهود هو يوم «المجزرة الرهيبة وعمليات النهب والسلب بحق اليهود في بغداد.
ويقول مير بصري في ملحق لكتاب نزهة المشتاق في تاريخ يهود العراق لمؤلفه يوسف غنيمة: إن الرعاع وحتى الجنود والشرطة أغاروا على محلات اليهود وبيوتهم في بغداد وبعض الأنحاء فقتلوا ونهبوا خلال يومين في اول حزيران 1941 ، وكانت الفوضى شاملة ولا حكومة تحافظ على الأمن وتوقف المعتدين، وفي النهاية شكلت لجنة للتحقيق بتلك الحوادث وأفاد تقرير اللجنة أن عدد القتلى 110 بضمنهم 28 امرأة، وهم من اليهود والمسلمين، لكن رئيس الطائفة الأسرائيلية قدر عدد القتلى 130 والجرحى 450 من اليهود فقط دون غيرهم». حسب: معجم الألفاظ المحكية المشتركة.
تلك الحادثة التي سقطت فيها بغداد بالاحتلال الأمريكي البريطاني، وصارت ناراً على علم -في السوء- نتيجة نهب الأملاك العامة.
ولن أطيل في سردها، فقد عشناها مع الملايين الذين لا تزال (خشوم) الكثير منهم تشم الهواء، هناك، استعار العراقيون مصطلح (الفرهود) ليشكل مع نظيره الآخر (الحواسم).
ومن هنا تأكَّدَ لبس الفرهود مرغماً لمعناه الجديد، ليتوارى خلفه معناه القديم، لا في الذاكرة الاجتماعية العراقية فقط، وإنما في كتب التاريخ والأدب والسير الذاتية.
يقول عبد اللطيف ثنيان:»الفرهود هو النهب علناً كأنه مباح للجميع»، حسب: صفحات من قاموس العوام في دار السلام.
ويقول عبد الستار الراوي، «الفرهود لفظة تركية تعني أعمال الشغب المصاحب للتخريب والسرقة».
ويقول د. علي جواد الطاهر: «الفرهود كلمة شائعة في البلدة [الحلة]، وفي العراق كله بمعنى أخذ أموال الناس بالباطل والقوة».
وانتهى الأمر بالفرهود كونه»به تضرب الأمثال في تفشي الفوضى وانعدام القانون»، حسب: معجم الألفاظ المحكية المشتركة.
وبهذا نسدل الستار على (الفرهود) الذي أستبعد أن يعود إلى معانيه اللغوية البريئة مطلقاً، بل أجزم أنه سيبقى رهيناً في الدلالة الاجتماعية بكل نقمة، حبيساً لكل غُمة، جاهزاً لكل تُهمة.