
قد لا نضيف أيّ جديد عندما نعلن أنّ الإحتلال الصهيوني لا يترك أيّ فرصة تمرّ من دون أن يسعى جاهدا للانتفاع منها وتوظيفها بالطريقة المثلى التي تحقّق مصالحه الإجرامية الاستراتيجية .
وإنّ “تاريخ” هذا الكيان المصطنع يثبت بما لا يدع مجالا للشكّ هذه الحقيقة ، وذلك منذ بداية التسويق للنسيج الخرافي الذي أدّى إلى غرس هذا الكيان المشبوه في المنطقة .
وقد واصلت الصهيونية الدولية إستغلال كلّ نقاط الوهن والضعف والتناقض والصدامات أحيانا بين دول المنطقة ومجتمعاتها وشعوبها، من أجل فرض وجودها وسلطتها وسطوتها وتركيز ذاتها في المنطقة، وذلك بالتواطؤ المعلن بينها وبين بعض دول الغرب الليبرالي، وفي ضوء حالة الوهن الإقتصادي والسياسي والقيمي وانعدام الحرية والضعف الفادح للثقافة الديمقراطية في أغلب دول منطقتنا العربية والاسلامية .
وبالطبع، وبعيدا عن نظرية المؤامرة ، لا تكاد تمرُ أزمة داخلية لأيّ دولة من دول المنطقة من دون أن تكون الأيادي الصهيونية ضالعة فيها، وبتظافر في الغالب عملها بوعي وبدونه مع عقلية بعض الحكّام التي تزيّن لأصحابها فكرة وقناعة أنّ الاستفراد بالحُكْمِ وإقصاء الخصوم هو السبيل الوحيد للاستمرار في السلطة .
وقد لمسنا الكيفية التي استغلّت فيها الصهيونية الدولية حالة الاستعمار المباشر التي كانت تسود في المنطقة ، كما وظفّت أزمات أوروبا التي أدّت إلى حربين كونيتين، من أجل تثبيت نشأتها على الأرض .
وبعد التأسيس تمدّد الكيان الصهيونى وتوسّع وتعاظمت مصالحه مع كلّ أزمة شهدتها المنطقة ، مسنودة في ذلك للأسف بسلوكيات ومواقف وسياسات بعض الأطراف في منطقتنا المتفجّرة على الدوام، ولم يتوانَ الكيان الصهيوني من أجل تركيز وجوده وتحقيق أهدافه، في تصفية أو احتواء جلّ خصومه. ولعل قراءة بسيطة لمجريات ما سمّي بالربيع العربي توضّح هذا المنحى في لبنان وسوريا واليمن وأغلب دول المنطقة الأخرى ، وما يجري في إيران اليوم ليس استثناء.. وإنّ خطيئة العرب والمسلمين الأولى هي عدم استيعابهم لمدى تشابك المصالح بين الكيان الصهيوني ودول الغرب الليبرالي، وبأنّ التناقضات بين هذه الدول والصهيونية الدولية مهما عظمت تبقى دومًا ثانوية، وإنّ خطيئة العرب والمسلمين الثانية تكمن في عدم فهمهم واستيعابهم لأهمّية العمل المشترك الذي يضمن وحدة أهدافهم، ولا يجعل من الخلافات والتناقضات بينهم تصل حدّ التناحر الذي قد تتسلّل منه أطراف معادية لمصالح أوطاننا . أمّا خطيئة العرب والمسلمين الكبرى، فهي في ما يتجلّى ويبدو إستحالة إدراكهم أنّ الحرية والديمقراطية هي الضمانة الوحيدة لتحقيق استمرارهم في الحكم، وهي السبيل الوحيد لاستقرار دولهم ومجتمعاتهم ورخاء شعوبهم.