
كان للقصيدة البغدادية حضورُها الثرُّ في إبداع كلٍّ من الشاعرين، وقد مثَّلَتْ جُرحًا في خاصرةِ الكلمة، ونزفًا في وريد الروح؛ ذلك أنها جاءتْ مُترعةً بِصَخَبِ الجو العامِّ السائد في عصريهما؛ حيث القلاقل، والصراعات، والنزاعات بين الأحزاب، أجل، كانتْ بغدادُ تعاني – آنذاك – من شللٍ في السياسة العراقية، وتعطُّلٍ للأحزاب، وركودٍ أصابَ العراقَ أجمعَه، لكنَّ عشقَ البلادِ والتفاني في محبتها جعل فؤاد كلٍّ منهما موصولًا بها؛ بل وشكَّل في ذاتهما أملًا أنْ تكونَ بغدادُ معافاةً سليمةً من ندوبِ الزمان وجراحاته، ولكن يبقى لكلِّ شاعرٍ أسلوبُه الذي ينتحيه للتعبيرِ عن ذلك، فكيفَ توطَّنتْ بغداد في المشهد الشعري لدى كلٍّ من نازك الملائكة وبدر شاكر السَّيَّاب؟ هذا ما يُمكن أن نكشف عنه في هذه السطور، من خلالِ قراءةٍ في أعمالِ كلٍّ منهما.
بدايةً، يجدرُ بنا القول: إنَّ بغداد في شعر السيَّاب وردتْ في ظلال القصائدِ رمزًا أكثرَ منه تصريحًا، وإيماءً أكثرَ منه إفصاحًا، اللهم في مواضعَ قليلةٍ، منها أنَّ صديقَه خالد الشوَّاف دعاهُ ذاتَ يومٍ لزيارتِها، فرسمَ أملَه قائلًا:
صبِّرِ النَّفسَ عسى أن نلتقي فإذا خالدٌ تحلو بسماتُه
وإذا بغدادُ لحنٌ للهوى
تملأ القلبَ نشيدًا فتياتُه
أمَّا عن حضورِها رمزًا وإيماءً في شعرِه، فيمثل ذلك قصائدُ عديدة، منها قصيدتُه المشهورة « أنشودة المطر»، يقول:
عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السَّحَرْ
أو شرفتانِ راحَ ينأى عنهما القمرْ
وقد أضفى على بغداد في هذه القصيدة سماتٍ جماليةً بأدواتٍ فنيَّةٍ جعلتْ منها المحبوبةَ التي لا يُفرِّطُ بها القلبُ ولا تنساها الروحُ.
ويبقى التساؤلُ هنا مطروحًا: لماذا انتحى السيَّابُ هذه الوجهةَ واتخذَ هذا الأسلوب في تعاملهِ معَ بغدادَ في شعرِه؟
وهنا يجبُ أوَّلًا أنْ نُقِرَّ ببراعةِ السيَّاب، وحُسنِ تجويدِه للشعرِ، معَ العمق والغزارة الفنية، والقدرة الإيحائية والتصويرية، فنحنُ أمامٍ شاعرٍ امتلكَ ناصيةَ البيانِ، وتكوَّن لديه معجمُه الشعريُّ المضمخ بالجمال، كيف لا؟ وهو العاشقُ لتراثه العربي، والمطلع أيضًا على الآداب الغربية؛ إذ قرأ لشكسبير معجبًا به، ولملتون، ولتوماس إليوت، ولجون كيتس، وغيرهم من الشعراء الفكتوريين والرومانتيكيين.
أمَّا ثانيًا، فالأمرُ يعودُ إلى نشأتِه الريفية؛ حيث ترعرعَ في جيكور، ومثلت لديه هذه القريةُ أمًّا يؤول إليها كلما ضاق ذرعًا بأسباب العيش وكدَرِه، أمَّا بغدادُ فقد كانتِ المدينةَ التي صدمتِ الشَّاعر بطقوسِها الجارحة، وأحداثِها الموجِعةِ، ولا يعني ذلك أنَّها شكَّلتْ فيه بُغضًا لها؛ بل على العكس، كان السيَّابُ متعلِّقًا بالعراقِ أجمعِه، خاصةً لو قرأنا قصيدتَه « غريب على الخليج» فهي تمثل قمةَ التَّعلُّقِ الرُّوحي والوجداني بالعراقِ وما فيه، ولكنَّه كان يتمنَّى أن يرى بغداد تخلو من النزاعات وسوء الحال، فجاءتْ مخبوءةً في أنفاسِ شعرِه؛ لأنَّها تركتْ غصَّةً في بوحِه، وإلَّا فلماذا ينحازُ للمساكينِ والضعفاء لولا أولئك العابرين الذين يأنف التاريخ ذكرهم، يقول:
أيُّها الثَّلجُ يا حشرجاتِ الدُّهور
وانتحابات المساكين في كل كهفٍ يغور
في جبال السنين
كن لهيبًا على أوجه العابرين
قنِّعِ الخوفَ فيها بلون الرجاءْ
وفي قصيدةٍ أخرى بعنوان « جيكور والمدينة « يعقد جدليةً ثنائيةً ينسربُ إليها ملمحٌ دالٌّ على رفض الواقع الذي تحياهُ بغداد، وهنا مقارنةٌ عجيبةٌ بين حاله في جيكور؛ حيث الرِّيفُ والطَّبيعة والخِصب والهناء، وحالِه في بغداد؛ حيث ضيق الحال وسوء المعيشة، ويرى فيها قسوة المعاملة، وظلم الواقع، يقول:
وتلتفُّ حولي دروبُ المدينة
حبالًا من الطين يمضغن قلبي
ويُعطينَ، عن جمرةٍ فيه، طينة
حبالًا من النارِ يجلدن عُريَ الحقول الحزينة
ويحرقنَ جيكور في قاع روحي
ويزرعنَ فيها رماد الضغينة
هذه هي بغدادُ – في نظر السياب – التي يستغربُ من حالِها، وإنَّه الحنينُ الجارف لموطنه الأول؛ جيكور، الذي تنتفي عنه الضغينة، ويستقر به الحال، وتهنأ به النفسُ.
بغدادُ هي معضلةُ الشاعر، وإحساس بالمنفى، وشعورٌ بالغربة؛ لأنه لم يجد فيها ذاته، ولم تأبه بروحه المتفردة الحالمة بطقوس السلام والرخاء.
ولهذا كلِّه توارتْ بغدادُ كمسمًّى في أثناء شعره، لكنها كانت حاضرةً بقوةٍ ومعنى، ورمزٍ مؤلم خاضعٍ لحرقةٍ غامرةٍ في ذاتِه، تولد عنها حزنٌ في قرارة روحِه ومستقرِّ نفسِه.
أمَّا عن القصيدةِ البغدادية في الموروث الشعري الملائكي، فقد تجلَّت بوضوحٍ لا لبس فيه كمسمًّى ورمز – لا سيما – في الظواهر المناسباتية، والقضايا الوطنية، فعندما تم إعلانُ ميثاق الوحدة الثلاثية من القاهرة في السابع عشر من نيسان عام 1963م تجلت بغداد في ثوبٍ زاهٍ يحدوه الفرحُ تُباركُ ذلك:
واستفاقتْ بغدادُ نشوى تُغنِّي وهي تسقي ورودَ أجملِ فجرِ
خفقتْ في سمائها رايةُ الوحــ دة يا للحلم الجميل النَّضرِ
قلبها المشوقُ إلى مصـ
رَ طويلًا قد ضمَّ تربةَ مصرِ
والتقت كفها بكفَّي دمشقٍ في صباح العروبةِ المُفترِّ
فبغدادُ هي أختُ العروبةِ وسيدة العواصم وأمُّ البلاد، تجيءُ تهنِّئُ بهذه المناسبة، فيكون لها دورُها وحضورُها في السياق التَّاريخي؛ بل وتتخطى ذلك إلى دورِ المستلهمِ للهمم الداعي إلى الوحدة والنصر:
إيهِ بغدادُ أيقظي كل من ما
تَ شهيدًا على نشيد النَّصرِ
أنبئيهِ بأنَّ وحدته قا
مت وضمت من أرضه كلَّ شبرِ
طلعَ الفجرُ من وراءِ الدياجي
يا عيون الشهيد نامي وقرِّي
وعندما فاضَ النَّهر بشكلٍ رهيبٍ عام 1954م على بغداد، وثَّقتْ نازك هذه الحادثة في شعرها، ما يدل على أنَّ القصيدة البغدادية لديها كانت ذاتَ سَمْتٍ مناسباتيٍّ، تقول:
ذلك العاشقُ إنَّا قد عَرَفْناهٌ قديمًا
إنَّه لا ينتهي من زحفِه نحو ربانا
وله نحن بنينا وله شِدنا قُرانا
إنَّه زائِرُنا المألوفُ ما زال كريمًا
كلُّ عامٍ ينزلُ الوادي ويأتي للقانا
ولها قصيدةٌ أخرى في هذه الحادثةِ نفسِها.
وعلى كلٍّ نجدُ أنَّ حضورَ بغدادَ في شعر السَّيابِ كان على رمزيَّته يصاحبُه الأنين والحزن على ما آلتْ إليه وفاجأتْ به شاعرَها؛ لذلكَ جاءتْ تعبيراتُه وتراكيبُه الشعرية فيها شيءٌ من الغصَّة التي تخنقُ روحَ الشاعرِ، وتجعلُه في حالةٍ من الاستغرابِ من هذا الواقعِ المرير، وفي المقابل نجدُ أنَّ نازك أفردتْ لبغدادَ قصائدَ متعددةٍ، ووثقَّت من خلالها صورًا من الواقع الملموس، والتجارب التي عاصرتها.