رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الصمت في العرفان الغربي


المشاهدات 1851
تاريخ الإضافة 2026/01/11 - 8:48 PM
آخر تحديث 2026/03/11 - 3:33 AM

في العرفان الغربي يتبدى الصمت لا كتمرين سلوكي أو تقنية تربوية، بلكتجربة وجودية تعيد تشكيل الذات من الداخل وتفتح أفقًا آخر للعلاقة معالحقيقة. يتجلى الصمت كتخلية واعية عن الصور الذهنية، وتحررًا من التمثيلات العقلية، وتجاوزًا للوسائط اللفظية التي تحجب الحضور. الصمت ليس غيابًا للمعنى بل شرطًا لانكشافه، إذ يتذوق الإنسان المعنى حضورا حيًا ينبثق من القلب بوصفه موضع الإنصات والكشف، ويتجلى في الحدس معرفةً حية تولد من الداخل بعيدًا عن البرهان والجدل. الصلة بالله ليست موضوعًا للفكر بل حضورًا يعاش ويختبر في السكينة؛ وعند انحسار اللغة وصفاء الوعي تتحول التجربة الروحية إلى لقاء يعيد الإنسان إلى ذاته، ويحرره من اغترابه، ويقيم صلته بالحقيقة في أفق الصمت لا في ضجيج الكلام. وهو ما يلتقي مع العرفان الإسلامي عند النفّري والحلاج حيث يصبح الصمت مقامًا للكشف والإنصات، ولغةً أخرى للحضور، فيتجاوب العرفانان الغربي والمشرقي على اختلاف سياقاتهما في اعتبار الصمت شرطًا للمعنى وسبيلًا إلى الحقيقة.
يتجلى الصمت في العرفان المسيحي تجربة وجودية تعيد تشكيل الذات وتؤسس الصلة بالله في أفق الحضور والمعايشة. يتكشف هذا المعنى في مسارات يوحنا الصليب، وتيريزا الأفيلية، وماستر إكهارت، على اختلاف أزمنتهم وتلاقي تجاربهم الروحية؛ فعند يوحنا الصليب (1542–1591) يتخذ الصمت هيئة «الليل المظلم»، وهو طور وجودي تتجاوزه الذات حين تنزاح اللغة وتحتجب الصور، لا باعتباره فقدانًا للمعنى، بل مسارًا تطهيريًا يغتسل به القلبمن التعلقات الحسية والذهنية ويهيئه لشهود الأنوار، إذ يستنبط المعنى من السكينة ويتأسس الصفاء الباطني عبر الصبر والإنصات. أما تيريزا الأفيلية(1515–1582) فترى في الصمت فضاءً داخليًا يتيح للروح أن تدخل «القلعة الباطنية»، حيث تتدرج المقامات الروحية نحو الاتحاد بالله، وتصبح السكينة شرطًا للعبور من الطبقات الخارجية إلى عمق الذات. وعند ماستر إكهارت(1260–1328) يغدو الصمت تخلية واعية عن الصور الذهنية وتجاوزًا للوسائط اللفظية، لينكشف الحضور الإلهي في القلب بوصفه موضعًا للإنصات والكشف، حيث لا يقوم المعنى على البرهان ولا على الجدل، بل يتجلى في الحدس معرفةً حية. هكذا يلتقي هؤلاء الثلاثة في اعتبار الصمت شرطًا للمعنى وسبيلًا إلى الحقيقة، حيث يتحول من مجرد امتناع عن الكلام إلى مقام أنطولوجي يعيد الإنسان إلى عمق ذاته ويحرره من اغترابه، ويقيم صلته بالله في أفق  الحضور  لا  في  ضجيج القول.
ظهر معنى الصمت بوصفه طورًا وجوديًا للذات في مسارات يوحنا الصليب، وتيريزا الأفيلية، وماستر إكهارت، على اختلاف أزمنتهم وتلاقي تجاربهم الروحية؛ عند يوحنا الصليب يتخذ الصمت طورًا وجوديُا تتحقق فيه الذات حين تحتجب الصور، لا باعتباره فقدانًا للمعنى، بل مسارًا تطهيريًا يحرر القلب من التعلقات الحسية والذهنية ويهيئه للتسامي، فيه يولد المعنى من السكينة، ويحضر الصفاء الباطني عبر الصبر والإنصات. أما تيريزا الأفيلية فترى في الصمت انخطافًا في المحبة وانكشافًا للسر الإلهي في تجربة داخلية ملهمة عذبة، لا تطلب الجمال من الصور ولا من الزينة الظاهرة، وإنما تتذوقه في المعاني التي تتكشف في القلب حين يطمئن، حيث ترتاض الأخلاق في التجربة ويذوب الكلام أمام حرارة اللقاء. وعند ماستر إكهارت يغدو الصمت نمط وجود، يقوم على تخلية واعية من التمثيلات الذهنية وتهيئة القلب لحضور إلهي يعاش ولا يتسع له مفهوم ولا تعبر عنه لغة؛ في تحقق شهود الله بوصفه موضوعًا للمعرفة وحضورًا في القلب. وتنبثق المعرفة بصيرة صافية، وتتشكل الأخلاق بالتهذيب الداخلي لا بالتلقين، فيكون الصمت قوة روحية تحرر الإنسان من اغترابه وتعيد صلته الحية بالمطلق. هكذا تتكامل هذه المسارات الثلاثة لتكشف أن الصمت ليس غيابًا للكلام، بل مقامًا أنطولوجيًا يعيد الإنسان إلى عمقه، ويقيم صلته بالله في أفق الحضور والشهود، حيث يتجاوز العرفان المسيحي حدود البرهان والجدل ليجعل من السكينة لغة أخرى للحقيقة. لا تقف تجربة الصمت في العرفان الغربي عند ماستر إكهارت ويوحنا الصليب وتيريزا الأفيلية، بل تمتد إلى مسارات عرفاء مسيحيين، جعلوا من الصمت أفقًا للمعنى وطريقًا للبصيرة الروحية. ففي كتاب «سحابة اللامعرفة» (The Cloud of Unknowing)، وهو نص كلاسيكي في العرفان المسيحي، كتب بالإنجليزية الوسطى في أواخر القرن الرابع عشر على يد مؤلف مجهول الهوية،ويعد من أبرز الأعمال التي بلورت أفق اللاهوت السلبي في الغرب المسيحي. يرى هذا النص أن الله لا يتحقق بالمعرفة العقلية، ولا يحاط به بالمفاهيم أو الصور الذهنية، وإنما يتحقق عبر المحبة الخالصة والصلاة الصامتة، إذ يرى أن كل محاولة عقلية لمعرفة الله تحجب بسحابة من اللامعرفة، ولا يمكن اختراق هذه السحابة إلا بالحب الذي يتجاوز الفكر والكلام. من هنا يغدو الصمت موقفًا روحيًا ومعرفيًا، يحرر الإيمان من وهم الامتلاك، ويحول المعرفة من تعريف ذهني إلى حضور روحي، ومن يقين لغوي إلى تجربة تنضج في السكينة، ليصير الإيمان علاقة حية. لذلك ظل هذا الكتاب مرجعًا أساسيًا في تقاليد التأمل المسيحي، ولا يزال يُقرأ حتى اليوم بوصفه دليلًا على طريق التجربة الروحية العميقة.


تابعنا على
تصميم وتطوير