رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
رضا الأعرجي سيرة صحفي تشكلت بين مكتبة النجف وأسئلة الحداثة


المشاهدات 1432
تاريخ الإضافة 2026/01/11 - 8:44 PM
آخر تحديث 2026/01/19 - 6:30 AM

يمثّل الكاتب والصحفي العراقي رضا الأعرجي واحداً من الأسماء التي تبلورت تجربتها المهنية والثقافية عبر مسار طويل ومركّب، بدأ من بيئة نجفية مشبعة بالمعرفة واللغة والشعر، وانتهى إلى فضاءات الصحافة العربية في المنافي والمهجر. إن قراءة تجربته لا يمكن أن تُختزل في مسار وظيفي أو زمني، بل هي تجربة جيل كامل عاش تحوّلات كبرى في الثقافة العراقية، وانتقل من تقاليد الأدب الكلاسيكي إلى أسئلة الحداثة، ومن المحلية إلى الأفق العربي الواسع.
وُلد رضا الأعرجي في النجف عام 1948، وهي مدينة لا تُعرَف فقط بمرجعيتها الدينية، بل بكونها فضاءً معرفياً مفتوحاً، تكاد المكتبة تكون فيه جزءاً عضوياً من البيت النجفي. في هذا المناخ، تشكّلت البدايات الأولى لوعيه، حيث كانت مكتبة العائلة هي المدرسة الأولى التي فتحت عينيه على المجلات الثقافية والكتب الأدبية ونتاجات الفكر العربي الحديث. ولم يكن انجذابه المبكر إلى مجلة “الهلال” سوى تعبير عن فضول معرفي مبكر، وجد في المجلة نافذة على الأدب والفن والفكر، قبل أن يتعمق لاحقاً في كتب التراث ودواوين الشعر وأعمال كبار النهضويين مثل العقاد وطه حسين والمنفلوطي وجبران.
أسهمت المدرسة الأهلية التي درس فيها، “منتدى النشر”، في ترسيخ هذا التكوين اللغوي والأدبي، بما حملته من حرص على الفصحى والأدب الرصين، في وقت كانت فيه النجف تعيش حراكاً ثقافياً لا يقل حيوية عن حراكها الديني. غير أن التأثير الأعمق في وعيه الثقافي جاء من المجالس النجفية، تلك الفضاءات المفتوحة للنقاش والحوار، حيث يلتقي الدين بالأدب، والسياسة بالشعر، ويتدرّب الشاب النجفي على الإصغاء والجدل وتبادل الرأي. في تلك المجالس تعرّف الأعرجي على رجال دين وسياسة، وعلى أدباء وصحفيين، واكتسب مبكراً حسّ الملاحظة والإنصات، وهما أداتان أساسيتان في تكوين أي صحفي.
في النجف، كان الشعر جزءاً من الحياة اليومية، وليس مجرد ممارسة نخبوية. وكغيره من أبناء المدينة، جرّب رضا الأعرجي نظم الشعر في سن مبكرة، متأثراً بالبيئة العامة وبالجو الأسري الذي كان الشعر فيه حاضراً بصيغه الفصيحة والعامية. وقد أظهرت محاولاته الأولى سلامة لغوية وعروضية، قبل أن ينشغل لاحقاً بمتطلبات العمل الصحفي، فيبتعد تدريجياً عن كتابة الشعر، دون أن يتخلى عن حساسيته الشعرية التي ظلت ترافقه في كتاباته النقدية والصحفية.
التحوّل اللافت في مسيرته الثقافية تمثّل في انحيازه المبكر إلى التيار الحداثي، في خضم الصراع الثقافي الذي عرفته النجف في ستينيات القرن الماضي بين أنصار القديم وحملة الجديد. من هذا المناخ وُلد مشروع مجلة “جيلي” عام 1969، بوصفها صوتاً لجيل يسعى إلى كسر القوالب التقليدية، والانتصار لرؤية جديدة في الأدب والثقافة. لم يكن الأعرجي ورفاقه يمتلكون خبرة صحفية متراكمة، بقدر ما امتلكوا الحماس والرغبة في الفعل الثقافي والمشاركة في معركة الأفكار. فجاءت المجلة تعبيراً عن وعي جيل، أكثر من كونها مشروعاً صحفياً بالمعنى المهني الدقيق.
ومع انتقاله إلى بغداد مطلع السبعينيات، بدأ الأعرجي مسيرته الصحفية العملية، متنقلاً بين الإذاعة والصحافة المكتوبة، ومتدرجاً في مواقع التحرير، قبل أن تتسع تجربته لاحقاً في المنافي العربية والغربية، حيث عمل مراسلاً لعدد من الصحف والمجلات العربية البارزة. هذا التنقل الجغرافي والثقافي أتاح له رؤية أوسع لدور الصحافة، وأكّد لديه قناعة راسخة بأن الصحفي لا يمكن أن يكتفي بالدراسة الأكاديمية أو المهارة التقنية، من دون أن يكون مثقفاً، واسع الاطلاع، قادراً على فهم السياقات الفكرية والاجتماعية لما يكتب عنه.
إن تجربة رضا الأعرجي، في جوهرها، هي تجربة صحفي تشكّل وعيه من تداخل الأدب بالصحافة، ومن تفاعل المحلي بالعربي، وهي تجربة تؤكد أن الصحافة ليست مهنة عابرة، بل ممارسة ثقافية تتطلب معرفة عميقة، وحساً نقدياً، وقدرة دائمة على طرح الأسئلة. وهذا ما يجعل سيرته مادة غنية للقراءة والتحليل، بوصفها مرآة لتحولات جيل، وتاريخ مرحلة كاملة من تاريخ الصحافة والثقافة العراقية.
هنا، تتضح ملامح رضا الأعرجي بوصفه صحفياً تشكّلت قناعاته المهنية عبر التجربة لا التنظير، وعبر الاحتكاك المباشر بالصحافة بوصفها فعلاً ثقافياً قبل أن تكون مهنة تقنية. فبعد تجربة مجلة “جيلي”، التي يصفها بتواضعها الطبيعي قياساً بعمر القائمين عليها آنذاك، يعترف الأعرجي بأن قيمتها الحقيقية تكمن في جرأتها، وفي محاولتها كسر العزلة والانفتاح على الأقلام العراقية والعربية خارج البلاد. وهي تجربة اصطدمت مبكراً بقوانين الصحافة الصارمة، لتنتهي قبل أن تأخذ مداها الطبيعي، لكنها تركت أثراً لا يمكن إنكاره في وعي جيل كامل. ينتقل الأعرجي بعدها إلى الحديث عن حصاد تجربته الصحفية، ليؤكد أن انطلاقته الحقيقية كانت مع مجلة “صوت الطلبة” عام 1970، وهي المحطة التي يراها الأساس في رسم مستقبله المهني. في هذه المجلة تعلّم أبجديات العمل الصحفي: كتابة الخبر، بناء التحقيق، أهمية المقدمة الجاذبة، وصياغة العناوين واختيار الصور. والأهم من ذلك، أنها منحته الثقة بقدراته، ورسخت قناعته بأن الصحافة تُكتسب بالممارسة اليومية والتراكم المعرفي.
أما انتقاله إلى جريدة “الثورة”، فكان نقلة نوعية وضعته في قلب الصحافة السياسية اليومية، بكل ما تتطلبه من انضباط مهني، وتسلسل إداري، والتعامل مع مصادر رسمية وأحداث كبرى. في هذه الصحيفة، اتسعت خبرته الميدانية، وشارك في تغطيات مهمة، من بينها حرب تشرين 1973 على الجبهة السورية، كما تعرّف عن قرب على جغرافية العراق ووجوهه السياسية والثقافية. والأهم أنه بدأ فيها ممارسة النقد السينمائي، الذي سيصبح لاحقاً شغفه الدائم.
تجربة الإذاعة شكّلت بعداً آخر في مسيرته، إذ انتقل من لغة الورق إلى لغة الصوت، وتعلّم كيف تُبنى الرسالة الإعلامية المسموعة. تولّى رئاسة عدد من الأقسام، واستقر طويلاً في قسم المنوعات، حيث قدّم برامج جمعت بين الترفيه والبعد الثقافي، بعيداً عن الابتذال. وكان لبرنامج “عشرة وخمسة” حضور واسع، أكّد له أن النجاح الحقيقي يقاس بتفاعل الجمهور لا بعدد الساعات أو الجهد المبذول فقط.
ومع انتقاله إلى الخارج منذ عام 1990، دخل الأعرجي مرحلة مهنية جديدة، تعامل فيها مع صحف عربية كبرى، واكتشف اختلاف المعايير والضوابط، واتساع أفق العمل الصحفي خارج الإطار المحلي. هذه المرحلة، رغم قسوتها، صقلت خبرته ورسخت قناعته الجوهرية: لا يمكن للصحفي أن يعتمد على دراسة الصحافة وحدها ما لم يكن مثقفاً. فالثقافة، في نظره، هي العمود الفقري للمهنة، وهي ما يميز الصحفي القادر على التحليل والفهم عن غيره ممن يمتلكون الشهادة دون الرؤية.
وفي ختام تجربته، يقرّ الأعرجي بعدم رضاه الكامل عن نفسه، لأن الرضا يعني التوقف. فما زالت السينما هاجسه المؤجل، وما زالت الكتابة عن التجربة والحياة والسفر مشروعاً مفتوحاً، في مواجهة عالم عربي يزداد ضجيجاً وتفاهة، ويحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى صحافة واعية ومثقفة.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير