
في غزة، وطوال أكثر من سنتين من عدوان شرس وخطير شنته القوات الإسرائيلية ضد المدنيين معززةً بمختلف أشكال الدعم العسكري واللوجستيكي والمالي والإعلامي والاستخباراتي، لم تنجح قوات الاحتلال في الوصول إلى تحديد مكان أسير واحد من الأسرى الذين أسرتهم المقاومة الفلسطينية في عملية اليوم السابع من أكتوبر، واضطرت قوات الاحتلال إلى اعتماد سياسة الأرض المحروقة للقضاء على المقاومة الفلسطينية مما تسبب في وفاة أسرى إسرائيليين من الذين كانوا موجودين في مساحة صغيرة من أرض غزة .ومثل رهان وتحدي تحرير الأسرى الإسرائيليين لدى المقاومة الفلسطينية امتحانا عسيرا وحقيقيا لقوات الاحتلال التي كانت مدججة بمختلف الأسلحة الفتاكة، وكانت معززة بأحدث تجهيزات التجسس والاستخبارات الحديثة، وجربت أشكال وأنماط التجسس بما في ذلك محاولات الاختراق الداخلي، لكنها لم تنجح في فك أسر أسير واحد من أسراها واستسلمت أخيرا إلى أسلوب التفاوض والمقايضة لتحرير بعضهم. والواضح أن الإدارة الأمريكية قاسمت قوات الاحتلال رغبتها القوية في فك لغز الأسرى الإسرائيليين، ومن المؤكد أنها سخرت لها ما توفر لديها من إمكانيات ووفرت لها ما تجمع لديها من معلومات استخباراتية لتحقيق هذا الهدف، لكن اتضح أن إنجاز هذه المهمة تعذر .في مقابل ذلك نجحت قوات (دلتا) الأمريكية في اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو من غرفة نومه في قصر رئاسي محصن بتعزيزات أمنية، ومن وسط عاصمة دولة تتوفر على جيش نظامي وأجهزة استخباراتية استنفرت جميع جهودها في ظروف اتسمت بتصعيد عسكري عنيف لمواجهة خطر خارجي زادته الأيام والتطورات حدة وخطورة. ورغم كل ذلك تسللت قوات خاصة بعدما ضمنت لها قوات عسكرية جوية تغطية تمويهية، وأسرت رئيس الدولة في جنح الظلام، في عملية سريعة استغرقت فترة وجيزة، وقادت صيدها الثمين إلى الوجهة التي أرادتها دون أن يكلفها ذلك أية خسارة بشرية أو مادية تذكر .
المقارنة بين ما حدث في غزة وخلف أكثر من سبعين ألف شهيد، وتدميرا كاملا للحياة وللعمران، وسخرت له إمكانيات هائلة وجهودا تكاد تكون غير مسبوقة، ولم يفك أسر أسير واحد من مئات الأسرى الإسرائيليين، وبين ما حدث في كاراكاس في فترة زمنية قياسية لم تتجاوز بضعة ساعات وانتهى باعتقال رئيس دولة من غرفة نومه، يفرض صياغة ركام هائل من الأسئلة الحارقة حول ما يمكن وصفه بانتكاسة استخباراتية لمنظومة استخبارات تقدم نفسها في صور القوة والاحترافية والفعالية في مساحة جغرافية صغيرة، ونجاح نفس المنظومة في تحقيق هدف هدم منظومة دولة بجيشها النظامي، وأجهزة استخباراتها القوية .إلى هذا الحد تفوقت مقاومة شرعية في مواجهة أقوى الأنظمة الاستخباراتية العالمية وأجبرتها على رفع الراية البيضاء، أم أن الأمر مختلف تماماً، وأن قضية الأسرى الإسرائيليين لدى المقاومة لم تكن قضية مركزية لدى دولة الاحتلال، وأنها كانت مجرد تغطية لتبرير حرب إبادة حقيقية ضد شعب بأكمله، وأن قوات الاحتلال استعملت أولئك الأسرى حطباً في عدوانها الإرهابي، وأن الدول الغربية التي ساندتها طوال مدة العدوان كانت مدركة لحقيقة الأهداف الإسرائيلية، أو على الأقل أنها جارتها فيما سعت إلى تحقيقه دون أن تمتلك قدرة القرار والتأثير، أو أنها كانت ضحية ساذجة لمخطط إجرامي؟لن نجزم في صياغة جواب واضح ونهائي، ودعنا نميل إلى القول إن حرب الإبادة في غزة كشفت عن فشل أمني واستخباراتي لأحد أقوى الأنظمة الاستخباراتية في العالم .