
من ذاكرة الإذاعة العراقية تبرز أسماء كبيرة أسست لمدرسة فنية باذخة الحضور، كان لها أثر واضح في الوعي الثقافي والدرامي للمتلقي العراقي والعربي. ومن بين هذه الأسماء، يبرز المخرج الإذاعي العراقي {حافظ مهدي ماجد} الذي بدأ رحلته الطويلة من خوفه الطفولي من جهاز المذياع الأسود، ليتحوّل ذلك الخوف إلى عشق أبدي للميكروفون، وصوت لا يهدأ داخل استديوهات الإذاعة. أكثر من خمسة عقود قضاها بين النص والتمثيل والصوت والمؤثرات، مخرجًا للمئات من الأعمال الدرامية والبرامج المنوعة، ومشاركًا في تأسيس أول إذاعة عراقية بعد عام 2003، هي إذاعة بابل. في هذا الحوار نستعيد معه أهم محطات مسيرته، وذكرياته، وتحولاته الفنية، وحكايته مع الإذاعة التي صارت وطنًا ثانيًا له.
* اهلا بك اخا وصديقا بعد زمن طويل تفارقنا والتقينا اليوم بعد التقاعد .
ـ اهلا بك استاذ جمال وانت الاخ الذي طالت علاقتنا لأكثر من ثلاثين عاما في اذاعة جمهورية العراق .
* متى بدأ ارتباطك الأول بالإذاعة، وكيف تشكل هذا الحب المبكر لها؟
ـ في طفولتي كان هناك جهاز مذياع أسود كبير في بيتنا. كنت أنجذب إليه وأخاف منه في الوقت نفسه، لأنه يصدر أصواتًا غامضة. كنت أتمنى دائمًا أن أعرف ما بداخله، ومن هم هؤلاء الذين يتحدثون من داخله. احتجت وقتًا طويلًا لأفهم هذا العالم، لكنه كان بداية الحب الأزلي للإذاعة، وحلمي الدائم أن أعمل فيها.. وقد تحقق هذا الحلم لاحقًا.
* كيف كانت خطواتك الأولى للدخول إلى الإذاعة قبل أن تصبح مخرجًا محترفًا؟
ـ قبل دراستي في معهد الفنون الجميلة كنت مستمعًا جيدًا ومشاركًا في عدد من البرامج الإذاعية، وكنت أراسل برامج عديدة منها برامج للراحل زهير عباس. أول دخول عملي إلى الإذاعة كان عبر برنامج يقدمه الراحل راسم الجميلي. كان يومًا لا يُنسى، فقد شاهدت العالم الذي كنت أسمعه فقط. لمست الأجهزة والجدران وكأنني أتعرف على بيت جديد. حينها ازداد طموحي لأكون واحدًا من أهل الإذاعة.
* ماذا قدم لك معهد الفنون الجميلة خلال خمس سنوات الدراسة؟
ـ المعهد وضعني على الطريق الصحيح. شاركت وأنا طالب في أدوار بسيطة داخل المسلسلات الإذاعية، ثم عملت مساعد مخرج لكبار الإذاعيين، وهناك اكتسبت خبرة حقيقية. بعد التخرج بدأت رسميًا رحلتي مع الإخراج، وبالذات في الدراما الإذاعية التي أحببتها ووجدت نفسي فيها.
* كيف كنت توفق بين الدراسة الجامعية والعمل الإذاعي؟
ـ كان يومي مزدحمًا جدًا. صباحًا في كلية الفنون الجميلة، ومساءً في الإذاعة. تنقلت بين إذاعة بغداد، وإذاعة صوت الجماهير، والبرامج الموجهة لأوروبا وأمريكا. هذا التنوع منحني خبرة واسعة في كل أنواع البرامج الإذاعية، الثقافية والمنوعة والدرامية.
* حدثنا عن تجربتك في الدورة الإذاعية بدول الخليج العربي في قطر؟
ـ كانت أول سفرة لي خارج العراق. شاركت في دورة إذاعية لدول الخليج العربي وكنت الأول في تقييمها. هذا النجاح أعطاني دفعة قوية للإصرار على التفاني في عملي.
* ما التحولات التي حدثت في مسارك مع تولي الراحل مهند الأنصاري إدارة إذاعة بغداد؟
ـ المرحلة كانت مفصلية.. بوجوده بدأنا نعيش مفهوم العمل الإذاعي المهني الحقيقي. تأثرت كثيرًا بأعماله واستفدت منها في تغيير أسلوبي. بدأت في إخراج أعمال درامية كبرى، منها رواية “الباشق” لعبد الخالق الركابي، التي شارك فيها أكثر من خمسين ممثلًا، وكان هذا أول ظهور موسيقي ملحوظ للفنان رائد جورج في توليف الموسيقى.
* كيف كانت علاقتك بالكتاب والأدباء الذين تحولت أعمالهم إلى مسلسلات إذاعية؟
ـ اخترت عددًا من الروايات العراقية المتميزة لكتاب كبار مثل فؤاد التكرلي وعبد الرحمن مجيد الربيعي. كما تعاونت مع القاص شوقي كريم حسن في تجربة مشتركة حيث كنا نعمل كمخرجين وكتاب في الوقت نفسه، فاستعرضنا تاريخ العراق منذ الحضارات القديمة وحتى ثورة العشرين. كانت تجربة فريدة ومثمرة جدًا.
* ماذا عن تعاونك مع الفنانة عواطف نعيم؟
ـ تعاملت معها ككاتبة ومعدة مبدعة للقصص العراقية، وقد فزت عن هذه الأعمال بجائزة في مهرجان القاهرة الدولي للإذاعة والتلفزيون. كما فزت بالجائزة البرونزية عن إخراجي لمسلسل “سمير أميس”، إضافة إلى عدد من الجوائز الأخرى.
* كيف كانت علاقتك بالفنان الراحل خليل الرفاعي؟
ـ رافقته في معظم أعماله الإذاعية التي تحولت لاحقًا للتلفزيون، خاصة في شهر رمضان. كان مدرسة فنية وإنسانية بكل معنى الكلمة.
* بعد هذه الرحلة الطويلة داخل بغداد، ما الذي دفعك للعودة إلى الحلة؟
ـ أنا من أبناء الحلة الفيحاء. شعرت أن من واجبي أن أخدم الوسط الإعلامي في مدينتي. بعد عام 2003 ساهمت في تأسيس أول إذاعة عراقية وهي إذاعة بابل، تبث على الموجة المتوسطة لتصل إلى كل العراقيين. وما زلت أعمل فيها حتى اليوم.
* كيف ترى واقع الدراما الإذاعية اليوم؟
ـ للأسف توقف الإنتاج الدرامي الكبير بسبب الظروف المالية. أغلب الإذاعات ما زالت تعيد بث الأعمال التي أخرجناها في السنوات الماضية. وهذا يحزنني لأن الإذاعة تحتاج إلى تجدد دائم.
* ما أهم التحولات المفصلية في سيرتك المهنية؟
ـ منها رئاستي لقسم الدراما في الإذاعة العراقية، وحصولي على جائزة أفضل مخرج إذاعي في قطر عام 1977، ثم جوائز الإبداع من وزارة الثقافة والإعلام لسنوات متعددة، وصولًا إلى تجربتي في برنامج الزائر الدولي في الولايات المتحدة عام 2004. كلها محطات صنعت شخصيتي المهنية.
* ماذا تعني لك الإذاعة اليوم بعد خمسين عامًا من العمل؟
ـ الإذاعة ليست وظيفة. إنها بيت، حياة، وهوية. عشت داخل استوديوهاتها أكثر مما عشت في بيتي. تعلمت منها الدقة والانتباه والحوار والإحساس العالي بالكلمة والصوت.
* كيف تنظر إلى علاقتك بالجمهور الذي لم يرَك لكنه عرف صوت أعمالك؟
ـ هذا أجمل ما في الإذاعة. المتلقي يتخيل، يحلم، ويرسم صورته الخاصة للعالم. نحن نصنع الخيال لا الصورة، ولذلك يبقى تأثيرنا طويل الأمد.
* ما رسالتك للأجيال الجديدة من المخرجين الإذاعيين؟
ـ أوصيهم بالقراءة أولًا، ثم فهم اللغة، ثم احترام المستمع. التقنية وحدها لا تصنع عملًا ناجحًا. الروح، والصدق، والإحساس هي الأساس.
* وماذا تقول للإذاعة العراقية التي رافقتك كل هذه السنوات؟
ـ أقول إنها قدري الجميل.. علّمتني الصبر والحب، ومنحتني جمهورًا لا أعرف وجوهه، لكنه يعيش في قلبي دائمًا.
الخلاصة
بهذا الهدوء والتواضع يتحدث المخرج الإذاعي حافظ مهدي عن مسيرة ممتدة من الطفولة حتى اليوم، مسيرة كان الصوت فيها هو البطل الأول، وكانت الإذاعة وطنًا يحتضن أحلامه، ويصون ذاكرة جيل كامل من المستمعين.