
التربية والتعليم: هاتان العينان اللتان يُنظر بهما ويُبصر كلُّ من كتب اسمه، أو رام بلوغ الشمس، أو سعى إلى أن يكون له أثر. نحتاج إلى أن نعرف: أيُّهما أهم؟ وكيف يمكن مزجهما بطريقة توحي للمتلقي أن هاتين الحدقتين حقيقيتان، ولهما جمال العيون التي تأسر من يلحظ نظراتها؟
وتتمثّل الإجابة عن هذا التساؤل في بناء الشخصية، وذلك عن طريق دور الأسرة (السليمة) في زرع السلوكيات التربوية الصائبة وتنميتها، وتعليمها وتفهيمها للطفل منذ نعومة أظفاره. وهنا أقصد بـ(تفهيمها) أن يفهم الطفل السلوكيات السلمية التي يتربّى مقتنعًا بها، لا مُلقَّنًا لها أو مُجبَرًا عليها. وبالتوازي يكون التعليم المعرفي والتراكم المعلوماتي؛ لأن التربية والتعليم هما الرافدان اللذان يُشكّلان بناء الشخصية، وينعكس ذلك على تلك العينين اللتين استهلَّ النص بهما مضمونه.
وهكذا ينشأ الإنسان، وتكبر معه سلوكياته ومعارفه، وتبدأ الرؤية تتضح لديه مع تقادم السنين، وتغدو شخصيته تُصقَل يومًا بعد آخر، ويأخذ الاختلاط حيّزًا في تشكيل شخصه، وتسرق التجارب والمواقف نصيبها منه. وربما يكون السفر، أو عثرة السجن، أو غيرها ممّا يعترض الإنسان في أطوار حياته سببًا آخر في تكوين هذا المخلوق الذي يعيش وسط مجتمع متعدّد الأشكال والسلوكيات والهيئات.
لكن ما يميّز إنسانًا عن نظيره في هذا المسار هي الأخلاق؛ هذا المفهوم المفتوح في دلالاته وتأويلاته، وهذه السِّمة التي يعلو بها كلّ من يتصف بها، والتي تمثّل في جوهرها الحدَّ الفاصل بين العينين اللتين تستقرّان في المحاجر. ويمكن لأي قارئ أن يتخيّل وجود هذا الحدّ بين عينه اليمنى واليسرى؛ ليدرك موقع الأخلاق ودورها بين العلم والتربية.
إذن، في مثل هذا المعرض من الحديث، تصبح الأخلاق مكمّلة للتربية والتعليم، وهما صنوان لا ينفصلان؛ إذ كلما ارتفع منسوب العلم، وجب أن تترفع معه الأخلاق، وكلما أردنا تربية صالحة، وجب أن تلتصق بها الأخلاق. وينسحب ذلك على جميع تعاملات الإنسان الحياتية، فتغدو قيمته مقرونة بخلقه لا بعلمه ولا مكانته ولا منصبه، بل بما يبثّه من أخلاق حميدة تعضّد شأنه وتنصع جبهته، تلك الفضيلة التي يمكن أن تُرى بالروح المجرّدة، وبالنظرة الأولى التي تقع عليها أحداق حامل هذه الأخلاق.