رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
هدير الجبوري كاتبة دخلت عالم الأدب من بوابة التجربة الإنسانية


المشاهدات 1518
تاريخ الإضافة 2026/01/04 - 10:37 PM
آخر تحديث 2026/01/15 - 1:38 PM

في زمنٍ تتداخل فيه الأصوات وتعلو الضجيج اليومي، تظل الكتابة الصادقة قادرة على أن تفتح نافذة مضيئة داخل النفس. ومن بين الأصوات السردية العراقية التي اختارت أن تجعل الكلمة فعل حياة لا مجرد تعبير، تبرز الكاتبة والصحفية هدير الجبوري، التي دخلت عالم الأدب من بوابة التجربة الإنسانية العميقة، وجعلت من الكتابة مساحة تأمل، ومتنفسًا روحيًا، ووسيلة لفهم الذات والعالم و هدير الجبوري تنتمي إلى جيلٍ آمن بأن الأدب ليس رفاهية ثقافية، بل مسؤولية تجاه الإنسان والقارئ، وأن النص الحقيقي يولد من الصدق أولًا، لا من الزخرفة اللغوية أو الاستعراض الفني. رحلتها مع القراءة بدأت مبكرًا، وارتبطت بالبيت والطفولة والذاكرة، قبل أن تتحول إلى مشروع كتابة متكامل امتد عبر الصحافة والثقافة والعمل الإبداعي. في هذا الحوار، تفتح هدير الجبوري قلبها وفكرها لتتحدث عن البدايات، وعن المسؤولية الأخلاقية للكاتب، وعن الموصل التي ما تزال تشغل مساحة واسعة من روحها، وعن علاقتها بالصحافة الثقافية، وإيمانها العميق بأن الأدب قادر  ولو بهدوء  على إضاءة العتمة داخل الإنسان.
ـ اهلا وسهلا بك اخت هدير ونأمل ألّا تكون أسئلتنا ثقيلة عليكم، ولنبدأ حوارنا بالسؤال الآتي 
ـ متى كانت اللحظة الأولى التي شعرتِ فيها بأن الكتابة ستكون جزءاً من حياتكِ؟
* كانت اللحظة الأولى مع الكتابة مرتبطة بفقد موجع عاش طفولتي مبكرًا، حين توفي والدي وأنا صغيرة. عندها أدركت أن الكتابة ليست مجرد هواية عابرة، بل ملاذ ألوذ إليه لأفهم الفقد وما خلّفه من فراغ وصعوبات. منذ ذلك الوقت أصبحت الكتابة جزءًا لا ينفصل عن حياتي ووعيي ووجودي.
ـ طيب وما هي القراءات الأولى التي أسهمت في تشكيل وعيكِ الأدبي؟ وهل للأسرة دور في ذلك؟
*  كانت بداياتي مع القراءة تحمل فرح الانتظار؛ إذ كنت مشتركة في مجلتي  «مجلتي» و«المزمار»  اللتين كانتا تصلان إلى بيتنا بلهفة طفل ينتظر صديقين عزيزين. وإلى جانبهما رافقتني سلسلة المكتبة الخضراء، ففتحت أمامي أبواب الخيال والعوالم الحالمة.
ــ والدتي كانت الداعم الحقيقي الأول. فقد امتلكت مكتبة خاصة تضم عناوين كثيرة، كنت أتأمل رفوفها بدهشة طفلة، وأتمنى اليوم الذي أستطيع فيه قراءة تلك الكتب. ومع تقدّم العمر بدأت أتجه نحو الرواية العربية والعالمية، فقرأت لإحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ ومحمد عبد الحليم عبد الله، ثم انفتحت على الأدب العالمي. ومع الزمن أدركت أن القراءة ليست تسلية، بل إرث إنساني وشعوري عميق ورثته عن أمي.
ـ  كيف كان دخولكِ الأول إلى عالم الكتابة الإبداعية؟
*  دخولي الحقيقي لعالم الكتابة لم يبدأ من النشر، بل من الكتابات الخاصة التي لم تُخلق لتُقرأ. كانت أوراقًا أكتبها لنفسي، لا تنتظر اعترافًا أو تصفيقًا، لكنها شكّلت علاقتي العميقة بالكلمة، وأكدت لي أن الكتابة فعل نجاة قبل أن تكون فعلاً ثقافيًا.
 الكتابة الإبداعية بالنسبة لي هي شجاعة مصارحة الذات بلا أقنعة، والاقتراب من المشاعر كما هي، بصدق وبساطة وعمق.
ـ  كيف بدأتِ كتابة نصكِ الأول؟
*  لم يولد نصي الأول من فرح عابر، بل من صدمة رافقت طفولتي وظل أثرها حاضرًا في مراهقتي. كتبتُ يومها مذكراتي ومخاوفي وأسئلتي المرتبكة عن الحياة. كانت الكتابة ملاذًا صامتًا، ونافذة صغيرة لأتنفس منها، ووسيلة مواجهة بدل الصمت.
ـ من هم الكتّاب الذين أثّروا في شخصيتكِ وأساليبكِ خلال مراحل التكوين؟ 
* كان إحسان عبد القدوس أول من ترك أثرًا في وعيي الأدبي، فقد قدمني إلى أعماق النفس الإنسانية بأسئلتها الجريئة. ثم جاء محمد عبد الحليم عبد الله ليعلمني جمال الهدوء وسمو الألم الإنساني , كما فتح لي كولن ولسن باب الأسئلة الوجودية، بينما قدّمت لي شارلوت برونتي صورة المرأة التي تكتب ذاتها بشجاعة. أما ألبير كامو، فعرّفني على فلسفة القلق والعبث ومعنى الإنسان وهو يبحث عن ذاته.
هؤلاء لم يكونوا كتّابًا عابرين في حياتي، بل كانوا عوالم كاملة أثْرت رؤيتي ووعيي.
ـ  متى بدأتِ نشر نصوصكِ بشكل رسمي؟ وأين كان منبركِ الأول؟
*  كانت بدايتي مع النشر عبر الصحافة المحلية في الموصل، حيث نشرت مقالات صغيرة، ثم شاركت في مسابقات للقصة القصيرة. إلا أن النشر الحقيقي الذي قدّم اسمي كان عبر الصحف الموصلية الأولى، ومنها بدأت رحلتي مع الصحافة.
ـ هل كانت الصحافة حلمكِ منذ البداية؟
*  نعم، كانت حلمي المبكر. كنت أتابع باهتمام كبير أعمدة الكتاب في المجلات العربية، وأقلّب كلماتهم لأتعلم منها وأصوغ محاولاتي الأولى. وفوزي بأفضل موضوع إنشائي في المرحلة المتوسطة كان إشارة مبكرة بأن هذا الطريق يشبهني.حتى الصحافة الرياضية كنت أقرأها بشغف، لأنها في نظري لغة أخرى للحياة.
ـ  من هم الأشخاص أو المؤسسات التي دعمت مسيرتكِ الأولى؟
*  أسرتي الصغيرة، وخصوصًا والدتي وأخي الأكبر، كانوا السند الأول والداعم الحقيقي. وقبل كل ذلك، كنتُ أنا أول من آمن بقدرتي على مواصلة الطريق.
ـ  كيف تمكنتِ من الدخول إلى الوسط الأدبي والثقافي
*  كان دخولي الحقيقي عبر مؤسسة يوسف ذنون للثقافة والفنون في الموصل، حيث وقّعت كتابي الأول  همس الجواري . ثم انضممت لاتحاد الصحفيين العراقيين بتزكية من الدكتور إبراهيم العلاف، وتولّيت لاحقًا مسؤولية شؤون المرأة فيه. كما أصبحت عضوًا في اتحاد الأدباء والكتاب وعدد من المؤسسات الثقافية الأخرى.
ـ  ما أبرز التحديات التي واجهتكِ كامرأة كاتبة وصحفية  ؟ 
*  كان عليَّ أن أثبت نفسي وسط حضور رجالي واسع في الصحافة والأدب. فكان سلاحي هو الجهد والصدق وقوة النص لكنني وجدت دعمًا حقيقيًا من الزملاء واحترامًا كبيرًا في الأوساط الثقافية، مما منحني ثقة إضافية. والتحدي الأكبر اليوم هو الحفاظ على مستوى الكتابة دون تكرار أو تنازل.
ـ  متى شعرتِ بأنكِ انتقلتِ من مرحلة الهواية إلى الاحتراف الأدبي؟
*  الاحتراف حالة نسبية تتشكل مع الزمن. ومع كل كتاب كنت أشعر بأن علاقتي بالكلمة أصبحت أعمق. ولعل مجموعتي الأخيرة «خطوات وذكرى» كانت علامة واضحة على نضج أكبر في تجربتي الأدبية.
ـ طيب لنتحول الى المسيرة المهنية والنشر والحضور الثقافي ونسالك كيف تشكّل اليوم منهجكِ في الكتابة؟ وهل ما زلتِ قريبة من البدايات؟
*  ما زلت أشعر أنني قريبة من بداياتي، لأنها الجزء الأكثر صدقًا في تجربتي. ومع ذلك، استفدت كثيرًا من قراءاتي المتنوعة، التي ساعدتني على صقل صوتي الخاص دون أن تغيّره. اليوم أسعى إلى أدب صادق ومسؤول، ينتمي إلى المعنى قبل الزينة.
ـ حدثينا عن مؤلفاتكِ ومحطات النشر الأبرز في تجربتكِ؟
*  بدأت رحلتي مع النشر عبر الصحف المحلية، ثم اتسع الحضور ليشمل الصحافة الدولية مثل  جريدة الزمان اللندنية  و مجلة خاتون الكندية , أما كتبي، فقد شكّلت محطات حياتية وفكرية مهمة، منها: همس الجواري – يوم حلو ويوم مر – أزاهير موصلية – أزاهير عراقية – العودة إلى محلتنا – خطوات وذكرى وغيرها من الأعمال التي حملت روح المكان وذاكرة التجربة.
ـ أيّ أعمالكِ تعدّينه الأقرب إلى قلبكِ؟ ولماذا؟ 
* كل أعمالي قريبة مني لأنها تمثل مراحل حياتي، لكن كتاب «يوم حلو يوم مر» يحتل مكانة خاصة، لأنه الأصدق في التعبير عن نفسي، وقد كتبت فيه مشاعري اليومية كما هي، بلا أقنعة ولا تزيين.
ـ  أي هذه الأعمال الأقرب إلى قلبكِ؟ 
*  كتاب «يوم حلو يوم مر» لأنه سجل حياتي اليومية بصدق.
ـ  كيف ترين اليوم مسؤولية الكاتب تجاه مجتمعه وقراءه؟ 
*  مسؤولية الكاتب كبيرة، لأنه لا يقدم كلمات فقط، بل يقدّم رؤية للحياة. لذلك أرى أن الكاتب يجب أن يكون صادقًا، فلا يزيّف الواقع ولا يجمّله حدّ الخداع. كما يجب أن يحترم عقل القارئ ووعيه، وأن يقدم نصًا يحمل قيمة إنسانية، لا ضجيجًا لغويًا أو استعراضًا فكريًا.  الكتابة عندي موقف أخلاقي قبل أن تكون مهارة فنية.
ـ  هل تؤمنين بأن الأدب قادر على إحداث تغيير حقيقي؟ 
*  التغيير لا يحدث فجأة، لكنه يبدأ بفكرة. قد تقرأ كتابًا صغيرًا فتولد داخلك أسئلة جديدة. هذه الأسئلة هي بداية التغيير. الأدب لا يحمل سيفًا، لكنه يوقظ الوعي، يخفف الألم، ويمنح الإنسان شجاعة مواجهة ذاته, بما لا يغيّر العالم… لكنه بالتأكيد يغيّر الإنسان الذي يقرأ بصدق.
ـ  كيف تنظرين إلى واقع الثقافة في العراق اليوم؟ 
* الثقافة العراقية عريقة ومتجذّرة، لكن الواقع يمر بتحديات كبيرة. ومع ذلك، فإن ما يبعث الأمل هو استمرار العمل الثقافي رغم كل الظروف وهناك كتّاب وشعراء وصحفيون يعملون بإصرار ومحبة للغة والحياة. ربما ينقصنا الدعم المؤسسي، لكن عشق العراقيين للكلمة لا ينطفئ.
ـ ماذا عن تجربتكِ في الصحافة الثقافية تحديدًا؟ 
*  الصحافة الثقافية بالنسبة لي ليست مهنة فقط، بل جسر للتواصل الإنساني. من خلالها تعرّفت إلى كتّاب ومبدعين رائعين، وتابعت تجارب كثيرة أثرت رؤيتي. هي مدرسة إنسانية قبل أن تكون إعلامية كنت دائمًا أحاول أن تكون المادة الصحفية إنسانية، لا مجرد خبر عابر.
ـ ما النص أو المشروع الذي تحلمين بكتابته ولم يتحقق بعد؟
*  أحلم بكتابة نص طويل عن الموصل… المدينة التي تسكن الذاكرة والروح. ليس كتاب تاريخ، بل سيرة وجدانية للمكان والناس والوجوه التي عبرت الحياة بهدوء وأشعر أنني لم أقل بعد كل ما في داخلي تجاه هذه المدينة.
ـ ماذا تقولين للجيل الجديد من الكتّاب والكاتبات؟ 
*  أقول لهم: اقرأوا كثيرًا… واكتبوا بصدق… ولا تتعجلوا النشر , لكتابة ليست سباقًا ولا شهرة عابرة، بل مسؤولية تجاه اللغة والإنسان. لا تنسوا أن أهم ما في النص هو روحه، لا زخرفته.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير