
مع بداية عام 2026، يواجه الشرق الأوسط مجموعة من التحديات التي تشكل اختبارًا حقيقيًا لاستقراره السياسي والأمني والاقتصادي، في ظل تراكم أزمات مستمرة منذ سنوات. التحولات التي حصلت خلال العام 2025، والتي تجلت في زيادة التصعيد الإقليمي، وارتفاع وتيرة الاشتباكات في بعض المناطق، وعدم تحقيق تقدم ملموس في الحلول السياسية، تجعلنا أمام احتمال تصاعد الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة.
على الصعيد السياسي، تتفاقم أزمة الانقسامات الداخلية في العديد من الدول العربية، حيث يزداد نفوذ القوى الإقليمية، مما يعيد رسم خرائط النفوذ بشكل يهدد سيادة بعض الدول ويؤدي إلى تصعيد الصراعات بالوكالة. ملف العلاقة مع العدو الإسرائيلي يظل الأكثر حساسية، فمحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض، خاصة في فلسطين ولبنان، تزيد من احتمالات اندلاع مواجهات عسكرية قد تتطور إلى أوسع نطاق إذا ما فشلت الوساطات الدولية والإقليمية. هذا التوتر ينعكس بدوره على الاستقرار الداخلي في دول مثل لبنان التي تعاني أزمة اقتصادية خانقة وحصار مالي مشدد، مما يجعلها بيئة خصبة لأي انفجار أمني أو اجتماعي.
الأمن في الجنوب اللبناني، على سبيل المثال، يشهد خرقًا مستمرًا لاتفاق وقف إطلاق النار، مع اعتداءات إسرائيلية متكررة لا تكاد تتوقف، وسط غياب أي رد فعل جدي من الحكومة اللبنانية أو المجتمع الدولي، مما يضع لبنان أمام مخاطر تحويله إلى ساحة صراع مفتوحة قد تتجاوز حدود بلاده. في الوقت نفسه، المقاومة اللبنانية تُظهر صمودًا ونضجًا في مواجهة هذه التحديات، لكنها في ذات الوقت تبقى تحت الضغط المستمر لإعادة بناء قدراتها وسط حالة من الغموض الاستراتيجي التي قد تنقلب في أي لحظة.
في اليمن وسوريا، تبقى جروح الحروب الأهلية نازفة، مع استمرار القوى الدولية والإقليمية في اللعب على أرض هشة، حيث تحولت النزاعات إلى حروب بالوكالة، وأي انفجار جديد أو تصعيد يمكن أن يعيد المنطقة إلى دوامة جديدة من العنف لا تلوح في الأفق بوادر حل قريبة. رغم بعض المساعي الدبلوماسية، إلا أن الوضع الميداني والسياسي يبقى هشًا للغاية، مع ازدياد معاناة السكان وتدهور الأوضاع الإنسانية، وهو ما يهدد أمن واستقرار المنطقة برمتها.
من الناحية الاقتصادية، تواجه الدول العربية موجة من التحديات الكبرى التي تنذر بأزمات متلاحقة، إذ تستمر معدلات التضخم والبطالة في الارتفاع، ويتعذر على الكثير من الحكومات توفير حلول اقتصادية حقيقية وسط غياب استقرار سياسي وأمني. تداعيات الحروب والأزمات تؤثر بشكل مباشر على الاستثمارات والتنمية، وتدفع نحو تدهور أكبر في مستويات المعيشة، مع زيادة مخاطر تفاقم الفقر والبطالة، خصوصًا بين الشباب. الاستثمار في الطاقة المتجددة والتكنولوجيا يظل حلًا واعدًا، لكنه لن يكون كافيًا دون بيئة سياسية مستقرة ورؤية واضحة للمستقبل.
التحدي الأكبر يتمثل في هشاشة البنية السياسية والأمنية التي تعاني من ضعف مؤسسات الدولة وانتشار الفساد، ما يجعل من أي أزمة قابلة للانفجار بسرعة، خصوصًا في ظل استمرار تدخلات خارجية معقدة، تسعى كل منها لتحقيق مكاسبها الخاصة على حساب استقرار الدول والشعوب.
اما على مستوى العلاقات الدولية، فيبقى الشرق الأوسط ساحة تنافس حاد بين قوى إقليمية وعالمية، حيث تتصاعد التوترات بين إيران والسعودية، وتتزايد ضغوط الولايات المتحدة وروسيا والصين في محاولة إعادة رسم خرائط النفوذ. هذه المنافسات تخلق مناخًا ملتهبًا يجعل التفاهمات صعبة والهواجس الأمنية في تزايد مستمر، مع ما لذلك من انعكاسات على الأمن الإقليمي والعالمي.
بالإضافة إلى ذلك، فإن التغيرات المناخية والأزمات البيئية تضيف بعدًا جديدًا للأزمات التي تواجهها الدول العربية، حيث يهدد نقص المياه وتدهور الأراضي الزراعية بإثارة نزاعات جديدة داخلية وعبر الحدود، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني والسياسي.
مع كل هذه المؤشرات، يحمل عام 2026 مخاطر حقيقية لتصعيد أزمات سياسية وأمنية قد تفضي إلى تفكك أكبر في بعض الدول أو حتى صراعات جديدة، إذا لم يتم تبني مقاربات حقيقية للتهدئة، والحوار الوطني، وإعادة البناء الاقتصادي والاجتماعي. الاستمرار في سياسة المراوحة أو التسويف لن يفيد سوى تعميق الأزمة.
ختامًا، يبقى أمام الدول العربية تحدي تأسيس منظومة تعاون إقليمية أكثر فاعلية، تبني على مصالح الشعوب عبر دعم المؤسسات الوطنية، وتعزيز الحكم الرشيد، والابتعاد عن الأجندات الخارجية التي تزيد من أزمات المنطقة. فقط من خلال تلك الخطوات، يمكن تخفيف حدة التوترات، وضمان أمن واستقرار مستدامين في عام 2026 وما بعده.