
طوال العشرين السنة الماضية من عمر التجربة الديمقراطية في العراق قضاها العراقيون بين مطرقة البرلمان وسندان الحكومة. كل أربع سنوات يجري العراقيون انتخابات ديمقراطية ينتج عنها برلمان ينتخب حكومة. مرة العملية تجري وفق التوقيتات الدستورية ومرة تخرق تلك التوقيتات بحيث تتحول المواد الدستورية الى مجرد ورقة “تنقعها” القوى السياسية بالماء وعندما تحتاجها “تيبسها” على نار هادئة يسمونها التوافقات التي هي دائما مؤقتة فضلا عن كونها مصالحية وتخادمية بين كل الأطراف. الآن الأمر إختلف أو يفترض هكذا لا سيما بعد التحذيرات التي صدرت عن رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان الذي “لزم” الكتل السياسية من “إيدهم اللي توجعهم” وهي أهمية إحترام الدستور الذي يجب أن يعلو على أي توافق سياسي بين أحزاب أو مكونات، بين الأعراق والطوائف.
من هنا وحتى الآن في الأقل هناك التزام بالتوقيتات والمدد الدستورية اللازمة لتشكيل الحكومة القادمة بدءا من الاتفاق على الرئاسات الثلاث الموزعة عرقيا ومذهبيا بين المكونات الرئيسة الثلاث (السنية والكردية والشيعية). إنتخاب رئيس جديد للبرلمان جرى بسرعة بعد حصول توافق سني شبه كامل على الرئيس الجديد للبرلمان هيبت الحلبوسي الذي سيمسك طوال السنوات الأربع القادمة مطرقة البرلمان الذي تكمن مهمته الرئيسة في التشريع والرقابة. وهذا يعني أن هذه المطرقة سوف تكون حاسمة على صعيد كيفية تشريع القوانين المؤجل منها والجديد، وكيف يمكن أن تنعكس على الأداء الحكومي كون البرلمان هو من سيراقب الحكومة. أي أن الحكومة القادمة سوف تكون تحت مطرقة البرلمان لكن طبقا لمهامه الدستورية والتي من مهمات الحكومة تنفيذ برنامجها الذي تعرضه أمام البرلمان الذي ما أن يصوت عليه تكون الحكومة ملزمة بتطبيقه وتحاسب في حال أخفقت في ذلك.
لكن هل هذا هو مايجري فعلا؟ هل الدورات البرلمانية الخمس الماضية كانت المطرقة التي يحملها رئيس البرلمان هاشا باشا مع إستخدامها أحيانا لمآرب أخرى هي التي تراقب بصورة جدية الأداء الحكومي؟. أم أن الحكومة التي تمثل في النهاية المكونات لاتخشى تلك المطرقة؟ لماذا؟ السبب بسيط وهو أن الحكومة نفسها تتكئ على كتل برلمانية تنتمي اليها وتدافع عنها في الغالب ظالمة أم مظلومة. هناك في الواقع العديد من الأمثلة على التخادم في غالب الأحيان بين أطراف في الحكومة وأطراف في البرلمان تعطل في النهاية الدور الرقابي والتشريعي معا وبالتالي .. فلا المطرقة مطرقة ولا السندان سندان.