رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
“الزوراء” كانت هناك .. جـــسر علــى نهـــر دريـــنا


المشاهدات 1480
تاريخ الإضافة 2025/12/29 - 9:35 PM
آخر تحديث 2026/01/02 - 1:39 PM

لا تبدو حديقة « بارك التحرير» في سراييفو، للوهلة الأولى، أكثر من مساحة خضراء صغيرة تتوسط طريقاً تجارياً حيوياً بين باشجارشيا القديمة والشارع العصري المؤدي إلى مركز المدينة ... 
غير أن التجول بين ممراتها يكشف سريعاً عن كونها متحفاً مفتوحاً للذاكرة البوسنية، تحتشد فيه تماثيل نصفية لشخصيات صنعت ملامح الثقافة والفن والسياسة والمقاومة في البوسنة والهرسك. هنا، في هذه الرقعة المحدودة، يقف الأدباء والفنانون والمناضلون كتفاً إلى كتف، كأنهم يستعيدون لزوار المدينة حكاية وطنٍ تشكّل بين الحرب والسلم، وبين الشرق والغرب، وفي قلبه سراييفو التي لا تنطفئ. إنها متحف زمني مفتوح، يوثّق  - بتماثيل برونزية نصفية - أدباء البوسنة وفناني الحداثة وشعراء المقاومة الذين صاغوا الهوية البوسنية عبر تاريخ دموي متعدد الصفحات .
كانت ليلتي الأخيرة في سراييفو، بعد أن تغيرت مواعيد السفر بفعل تصاعد العمليات الحربية بين إيران والكيان الإسرائيلي، وإغلاق أجواء بعض دول المنطقة، ومنها العراق، وإلغاء الرحلات الجوية المقررة سابقاً، ومنها رحلة الخطوط الجوية التركية التي كنتُ قد حجزتها فيها ذهاباً واياباً من بغداد إلى سراييفو مروراً بمطار إسطنبول. اقترحتُ على رفيق رحلتي أيمن أن يترك سياراته في أحد المواقف ثم نتجول مشياً وصولاً إلى السوق القديمة باشجارشيا، لتناول وجبة العشاء الأخير حيث تكثر فيها مطاعم الكباب على الطريقة البوسنية. وفي الطريق، ونحن نقترب من بارك التحرير، لم يخطر ببالي مطلقاً أنّ القدر يرسم لي في تلك الليلة مفاجأة جميلة لم تكن ضمن خطة الرحلة. يقع البارك على مساحة خضراء بمحاذاة نهر ميلجاكا، وسميت بذلك تيمناً بتحرير سراييفو بعد الحرب العالمية الثانية من قبضة الاحتلال النازي، إثر معارك شوارع ضارية خاضها المقاومون في جيش التحرير الوطني، الذين تمكنوا من طرد القوات الألمانية وعملائها من المدينة في السادس من نيسان/ أبريل عام 1945.  تجولنا في الحديقة بين النصب التذكارية، ومنها تماثيل نصفية لعدد من الشعراء والروائيين، أبرزهم برانكو تشوبيتش، أحد أشهر كتّاب يوغوسلافيا، روائي وقاص عُرف بأسلوبه الساخر والإنساني وبقصصه للأطفال التي أحبها جيل يوغوسلافيا بأكمله، وسكيندر كولنوفيتش، شاعر الأمومة والفقد، ومن أبرز شعراء المقاومة في الحرب العالمية الثانية، وإسحق ساموكوفليا، الطبيب والروائي وأحد أهم رواد القصة البوسنية، وماك ديزدار شاعر البوسنة الأشهر وصاحب» كتاب بوغوميلي». كذلك صادفنا تمثال حسن كاييمي، الشاعر العثماني– البوسني الذي ترك بصمته في الأدب الصوفي والديني. وكان جسراً آخر بين الشرق والبلقان، وتجسيداً لعمق الإرث العثماني في الذاكرة البوسنية. وفي وسط البارك نصب تذكاري يرمز إلى الحرية والسلام والتطلع نحو مستقبل جديد، أقيم تكريماً لشباب سراييفو الذين فقدوا حياتهم في الحرب. وعلى الجانب الآخر، نصب أقيم في المكان نفسه الذي اصطف فيه أول لواء شرطة في سراييفو عام 1992، وقد نقشت على اللوحة الكبيرة أسفل النصب نقشت أسماء شهداء ذلك اللواء. وبينما كنتُ أتأمل التماثيل النصفية محاولاً تهجي الأسماء، جاءت المفاجأة التي قادتني – بعد نحو نصف ساعة - إلى مغادرة سراييفو باتجاه مدينة فيشغراد، حين وقعتُ على تمثال يحمل اسم الروائي العالمي إيفو أندريتش « 1892–1975 «، الحاصل على جائزة نوبل للآداب 1961، وصاحب الرواية الأشهر» جسر على نهر درينا «.  
وأنا أقرأ اللوحة التعريفية تحت تمثال إيفو أندريتش، قلتُ لأيمن الذي كان يلتقط لي صورة للذكرى، إن هذا الرجل واحد من الروائيين العالميين الكبار الراسخين في ذاكرة جيلنا، وما زالت أحداث روايته العظيمة «جسر على نهر درينا» ماثلة في ذهني منذ قراءتها منتصف الثمانينيات إلى اليوم، بعد ترجمتها إلى اللغة العربية، وإن غابت عني تفاصيلها الدقيقة وأسماء شخوصها. التفتَ أيمن إلى اسم نهر درينا وسألني فجأة : أين يقع هذا النهر؟. في الحقيقة، عندما قرأتُ الرواية قبل نحو أربعين عاماً، كنتُ أعلم بالطبع أن أندريتش مواطن وأديب ودبلوماسي يوغوسلافي، وأن النهر يجري في بلاده يوغوسلافيا التي تشظّت في التسعينيات إلى ست جمهوريات ودول لاحقة، لكنني لم أعد أدري في أي بلد يمر النهر الآن. كان لا بد من الاستعانة بـ « غوغل « لأكتشف خلال ثوانٍ أن النهر يمر في مدينة فيشيغراد، واسمها يعني « المدينة العالية « أو « القلعة العليا «، وفيها يقع الجسر الذي خلدته الرواية. المدينة تبعد عن سراييفو حوالي 120 كيلومتراً شرقاً، وتستغرق الرحلة إليها بالسيارة قرابة ساعتين. تأسفتُ لأن رحلتي أوشكت على نهايتها، إذ كان موعد اقلاع طائرتي ظهيرة اليوم التالي، ولم يعد لدي ما يكفي من الوقت لرؤية جسر درينا. قلتُ لأيمن: ما رأيك أن نستيقظ فجراً، نذهب إلى فيشيغراد، نفطر هناك، نعبر الجسر، ثم نعود مباشرة إلى مطار سراييفو؟ صمت قليلاً، ثم لمعت عيناه كعادته حين تتبلور فكرة في ذهنه، وقال: ولِمَ لا نذهب الآن؟ اعترضتُ : لكنها التاسعة ليلاً يا أيمن ! .
لم تكن ليلتي الأخيرة في سراييفو سوى مشهد من رواية مفتوحة، تبدأ من بارك التحرير حيث تلمع الوجوه البرونزية لأعلام البوسنة، ثم تمتد عبر طريق سراييفو – فيشيغراد، رحلة تخترق جبال البوسنة : تبدأ من الوديان المفتوحة، ثم ترتفع تدريجياً نحو الغابات الكثيفة، حيث تتلوى الطريق وسط أشجار الصنوبر المخروطية دائمة الخضرة، قبل أن تدخل سلسلة من الأنفاق المحفورة في بطون الجبال. هنا يشعر الزائر بأنه يسلك طريقاً عسكرياً قديماً: أنفاق ضيقة، إضاءتها خافتة، والرطوبة تلتصق بزجاج المركبة. ويبلغ عدد الأنفاق في هذا الطريق نحو عشرين نفقاً متفاوتة الطول، بعضها لا يتجاوز عشرات الأمتار، وبعضها يمتد لمسافة طويلة تتطلب يقظة ومهارة في القيادة، خصوصاً في الليل، حيث بدا الطريق موحشاً ومخيفاً. وعند اقتراب المدينة، ينفتح الطريق فجأة على مشهد نهر درينا، ليظهر الجسر التاريخي من بعيد كأنه جمّد الزمن في الأقواس الحجرية. هناك وقف أندريتش ليستخلص فلسفة شعبٍ عاش على تماس عنيف بين الإمبراطوريات والأديان والحدود، فجعل الجسر رمزاً للوصل والانقسام في آن واحد: مكاناً يعبره الناس كل يوم، لكنه يخبئ بين حجراته قصة هوية موصولة بالأسئلة والدماء والتعايش. فيشيغراد الصغيرة الهادئة تبدو في الليل مدينة من الخيال، وعبور الجسر عند الحادية عشرة ليلاً، ورؤية الشباب من الجنسين يحيون أمسياتهم على ضفافه، صورة حديثة لمشهد تكرر منذ قرون: الجسر حياة وحكايات، لا مجرد حجر. وأخيراً بلغنا جسر محمد باشا سوكولوفيتش في مدينة فيشيغراد، ذلك الجسر الذي خلّده الروائي اليوغوسلافي إيفو أندريتش في روايته الشهيرة « جسر على نهر درينا « الصادرة عام 1945، والتي عُرف الجسر بعدها عالمياً بهذا الاسم الأدبي، في تأكيد على قدرة الرواية على تخليد الأمكنة التاريخية وانتشالها من هوّة النسيان. كان الوقت متأخراً والطقس بارداً عند وصولنا قرابة الساعة الحادية عشرة ليلاً. وقبل انطلاقنا من سراييفو، حرصنا على التأكد من وجود إضاءة ليلية على الجسر تتيح لنا التقاط بعض الصور، وسرعان ما أظهر البحث عبر الإنترنت صوراً تؤكد امتداد الإضاءة على طول الجسر الحجري، الأمر الذي شجّعنا على مواصلة الرحلة إلى مدينة فيشيغراد الجبلية، الواقعة ضمن كيان جمهورية صرب البوسنة، أحد الكيانين المكونين لدولة البوسنة والهرسك.
أوقف أيمن سيارته في موقف قريب من الجسر، واتجهنا مشياً نحو ضفة نهر درينا، في ليلٍ منعش يميل إلى البرودة، على الرغم من أننا في منتصف حزيران / يونيو. كانت الأضواء الملونة تنعكس على صفحة النهر، وبدا الجسر كأنه حكاية متجمدة من زمنٍ اسطوري، فخطر ببالي قول المتصوف محي الدين بن عربي «الزمان مكانٌ سائل، والمكان زمانٌ متجمد». وقفتُ على حافة النهر، وكان أول ما فكرت به تسجيل لقطات فيديو قصيرة لإرسالها إلى مجموعة من الأصدقاء في كروب على الواتساب يتابعون تفاصيل رحلتي، وخصّصت بالذكر منهم الصديق الدكتور هاشم حسن، محاولاً أن أستعيد معه ذكريات منتصف ثمانينيات القرن الماضي، حين كنّا نسعى جاهدين للحصول على نسخة من رواية جسر على نهر درينا بترجمتها العربية التي أنجزها الراحل سامي الدروبي عام 1984. وكان أندريتش قد نال جائزة نوبل للآداب عام 1961 عن مجمل أعماله الروائية، وفي مقدمتها «الفناء الملعون»، وهذه الرواية التي جعل فيها المكان - ممثلاً بالجسر- البطل الحقيقي للأحداث. ذلك الجسر الذي أمر بتشييده الصدر الأعظم «رئيس الوزراء» في الدولة العثمانية محمد باشا سوكولوفيتش، أو سوكلو محمد باشا، على نهر درينا، في موطنه الأصلي . 
ولد محمد باشا سوكولوفيتش نحو عام 1505م في قرية صغيرة قرب فيشيغراد، شرقيّ البوسنة، لأسرة مسيحية سلافية متواضعة. وفي طفولته أُخذ ضمن نظام الدَفْشِرمة - وهو نظام إداري وعسكري اعتمدته الدولة العثمانية، يقوم على جمع الأطفال الذكور من العائلات المسيحية في البلقان والأناضول، وإلحاقهم بخدمة الدولة بعد تعليمهم وتربيتهم تربية خاصة - إلى إسطنبول، حيث اعتنق الإسلام وتلقى تعليماً صارماً في المدارس العثمانية، جمع بين العلوم العسكرية والإدارية واللغات. أظهر سوكولوفيتش منذ وقت مبكر ذكاءً وانضباطاً استثنائيين، فترقّى في المناصب العسكرية والبحرية، حتى أصبح قائداً للأسطول، ثم والياً، قبل أن يُعيَّن صدراً أعظم للدولة العثمانية. شغل هذا المنصب الحساس في عهد ثلاثة من كبار السلاطين، سليمان القانوني، وسليم الثاني، ومراد الثالث، وكان خلالها العقل المدبّر للإمبراطورية في ذروة قوتها، يحفظ توازنها السياسي ويقود إدارتها اليومية بحنكة واقتدار. وقد خلّد اسمه ببناء جسر محمد باشا سوكولوفيتش على نهر درينا، بوصفه رمزاً لوصل الشرق بالغرب، قبل أن يُغتال في إسطنبول عام 1579م، تاركاً وراءه سيرة رجلٍ خرج من قرية منسية، ليغدو واحداً من أعمدة التاريخ العثماني. 
بدأ أيمن يصور لي مجموعة من الفيديوهات التي أقوم بإرسالها فوراً إلى كروب الأصدقاء، ليشاركوني متعة رؤية نهر درينا على الرغم من شدة الظلام ونحن نقترب من منتصف الليل، ويعيشوا معي دهشة السير على ذلك الجسر التاريخي الذي طالما شغل مخيّلتنا، يوم قرأنا رائعة أندريتش «جسر على نهر درينا».  في بداية مقتربات الجسر، تشير لوحة كبيرة من حجر الغرانيت الأسود المصقول، كُتبت باللغات الصربية، والبوسنية – الصربية، والإنكليزية، إلى أن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة « اليونسكو» قد أدرجت جسر محمد باشا سوكولوفيتش في فيشيغراد على قائمة التراث العالمي سنة 2007، في اطار اتفاقية حماية التراث الثقافي والطبيعي العالمي. ويُعّد هذا الإدراج اعترافاً بقيمته العالمية الاستثنائية، وبضرورة الحفاظ عليه وصونه من أجل خير الإنسانية جمعاء.  يقع هذا الجسر على نهر درينا، وقد شُيّد في المدة ما بين 1571 و 1577، وهو من إبداع مهندس البلاط العثماني معمار سنان، أحد أعظم البنّائين في تاريخ العمارة. وقد بُني الجسر بأمر من الصدر الأعظم محمد باشا سوكولوفيتش، المولود قرب فيشيغراد، والذي ترك في هذا الجسر – كما يعبّر النص – نذراً مهيباً في قلبه . وبفضل أناقة تناسبه الفريدة، وجلال بنيته، وامتياز تنفيذه، يُعدّ هذا الجسر شهادة مكتملة على جمال الطراز العثماني الكلاسيكي . تم تشييد الجسر من الحجر القيري، بطول يقارب 180 متراً، وبارتفاع مدروس يمنحه خفة بصرية رغم صلابته. وأكثر ما يشدّ النظر فيه أقواسه الأحد عشر، وهي أقواس نصف دائرية متعاقبة، تتدرّج سعاتها بانسجام دقيق، وكأنها أنفاس متساوية لجسد واحد . وكل قوس ينهض من دعامة راسخة، ثم يهبط برفق إلى الدعامة التالية، ليصنع خطاً متموجاً يعكس جريان النهر تحته. وفي منتصف الجسر تقريباً، تتسع البنية لتشكّل فسحة جلوس حجرية. أما سطح الجسر فهو مرصوف بحجارة ملساء صقلتها القرون، تميل قليلاً نحو المنتصف، في توازن دقيق بين الانحدار والارتفاع. أما الحواجز الجانبية فبسيطة، منخفضة، لا تحجب النظر عن الماء ولا تعزل الماشي عن المشهد، وكأن المعمار قصد أن يظل العابر في حوار مفتوح مع النهر.  كان الجسر يبدو أثناء وصولنا اليه ليلاً كتاريخ صامت، يراقب ما تبقّى من العابرين، ونحن منهم، عابرين غير متوقَّعين في هذا الركن من العالم. ومعنا مجاميع من الشباب الصرب، بنين وبنات، يتسامرون هنا وهناك على المقاعد الحجرية، وكأن الجسر بأقواسه لا يربط ضفتين فحسب، بل يربط الزمن بالذاكرة، والحجر بالحكاية. إن هذا الجسر، كما يصفه إيفو أندريتش في روايته « هو الممر الوحيد الدائم المضمون على المجرى الأوسط والأعلى من نهر درينا، وهو العقدة اللازمة التي تربط بين البوسنة والصرب، وتربط من خلال الصرب بين البوسنة وسائر أجزاء الإمبراطورية العثمانية حتى إسطنبول « .  في طريق العودة من فيشيغراد إلى سراييفو، عند منتصف الليل، كان الظلام قد تولّى مهمة الإخفاء، فحجب عن أعيننا أشجار الصنوبر وبساتين التفاح والكمثرى والمشمش والخوخ، والبرقوق الذي تُستخرج من روحه الهادئة راكي البرقوق، المشروب الذي تختصر به البلقان صيفها وذاكرتها الريفية.
 غير أن الطريق، رغم عتمته، لم يكن خالياً من العلامات، فبين مسافة وأخرى، كانت الأكشاك الخشبية الصغيرة على حافة الطريق تومض كنجوم أرضية، يعرض فيها أبناء القرى ثمار يومهم الطازجة، وكأنهم يرفضون أن يمر المسافر دون أن يتذوق شيئاً من سخاء الأرض.
 وكان الخوخ حاضراً دائماً، فاكهة الصيف اللينة، يطلّ في منتصف حزيران كرسالة بسيطة تقول إن هذه البلاد، مهما أثقلها التاريخ، ما زالت تعرف كيف تمنح العابرين طعم الحياة.


تابعنا على
تصميم وتطوير