
على وقع حربٍ أوروبية مستعرة في عامها الرابع بين روسيا واوكرانيا، تعيش القارّة تحوّلًا أمنيًا غير مسبوق منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. تحوّلٌ لا يُعبَّر عنه بتصريحات القادة فحسب، بل بخطوات عملية تطال كل بيت، وكل شاب في سنّ الخدمة العسكرية، وكل مؤسسة تابعة للأمن القومي.
وفي قلب هذا التحوّل، تبرز ثلاثة تطورات محورية: دعوات التطوّع في هولندا، توزيع كتيّبات الطوارئ على ملايين المنازل، وتمرير البوندستاغ الألماني لقانون يعيد التجنيد الإجباري بشكل غير مباشر.
هذه الخطوات تبدو على السطح “احترازية”، لكن عند جمعها وتحليلها تكشف عن عقيدة أوروبية جديدة، قوامها الاعتراف بأنّ “السلام لم يعد مضمونًا”.
هولندا… من التطوّع العادي إلى «الاحتياط الوطني»
قبل أشهر قليلة فقط، لم يكن من المتوقّع أن ترسل دولة أوروبية متقدمة دعوات رسمية لجميع الشباب البالغين 18 عاما، ذكورًا وإناثا، تطلب منهم الانضمام إلى برامج “الاحتياط الوطني” و”التطوع العسكري”، لكن هولندا فعلت ذلك. فما الذي تغيّر؟ وفق مصادر حكومية، الهدف من هذا الاجراء هو رفع جاهزية المجتمع المدني ليكون جزءًا من منظومة الدفاع الوطني، عبر دمج المتطوعين في وحدات احتياط قادرة على دعم الجيش في حالة توسع الصراع الأوروبي. فبرنامج التطوع الذي كان سابقًا محدودًا ، أصبح الآن جزءًا من استراتيجية التعبئة الوطنية، وترافق مع حملات إعلامية تشجع الشباب على الاستجابة. لكن مراقبين يرون أن الخطوة تحمل رسالة ضمنية ان الجيش وحده قد لا يكفي حال وقوع حرب ضد روسيا.
وبالتوازي مع دعوات التطوع، بدأت هولندا بتوزيع كتيّب شامل للطوارئ على جميع الأسر، وهي خطوة لم تُسجّل منذ عقود.. الكتيّب الذي يجعلك حال تصفحه، انك تعيش ظروف حربٍ قائمة على أشدها. فأبرز ما جاء فيه من تعليمات هو» كيفية التصرف خلال أول 72 ساعة من أزمة كبيرة و التعامل مع انقطاع كهرباء شامل وسيناريو توقف الاتصالات و هجمات سيبرانية على البنوك وتعليمات الإخلاء.
هذه الإرشادات تُقرأ عادة في سياقات الحرب بما يتبعه من انهيارات أمنية، أو هجمات واسعة على البنى التحتية. فالرسالة غير المعلنة من هذا الكتيب هو الاستعداد لأسوأِ السيناريوهات إذا كانت مؤسسات الدولة المعنية غير متمكنة من مساعدة المواطنين.
يرى محللون أنّ هذا الكتيّب ليس مجرّد مادة توعوية، بل أول اعتراف رسمي بأنّ أوروبا تتوقع اضطرابات واسعة، سواء نتيجة حرب مباشرة أو هجمات هجينة.
ألمانيا وعودة التجنيد الإجباري عبر «البوابة الطوعية»
في برلين، حدث ما لم يكن يتوقعه كثيرون. فقد صوّت (البوندستاغ) البرلمان الاتحادي الألماني وهو الغرفة التشريعية الرئيسية، في غالبية ضئيلة بلغت 323 من أصل 596 — على قانون يعيد التجنيد الإجباري بصيغة طوعية.
كيف يعمل النظام الجديد؟
بدءاً من يناير القادم سيُرسل استبيان إلزامي للرجال وطوعي للنساء في سن 18. يتضمن الاستبيان أسئلة حول الاستعداد والقدرة على الخدمة. في حال نشوب حرب، يمكن استخدام هذه البيانات لأغراض الاختيار العسكري، وهنا يكمن الخلاف الحقيقي. فالاستبيان “طوعي، لكن البيانات ملزمة، ويمكن استخدامها في ظروف استثنائية.
مخاوف الشباب بدأت تتنامى، إذ اعلنت منظمات شبابية بالفعل عن تحركات احتجاجية، معتبرة أن هذا القانون “يفتح الباب لإعادة التجنيد الإجباري الكامل عند أول أزمة”.
ولكن لماذا ألمانيا تحديدًا؟
ألمانيا تعد في مقدمة الدول الاوربية المستهدفة الى جانب بريطانيا ولعدم توانيها في مد اوكرانيا بالمال والسلاح في حربها ضد روسيا. في حين انها تمتلك جيشًا قوامه 182 ألف جندي فقط، وتسعى لرفعه إلى 260 ألفا. فألمانيا تريد رفع الاحتياطيين من 49 ألفا إلى 200 ألف، وهذه قفزة ضخمة لا يمكن تحقيقها بالتطوع وحده.
قراءة أوسع للمشهد الأوروبي: هل هو إعداد لحرب؟
عند التمعن في هذه الإجراءات التي شملت بالإضافة إلى ألمانيا وهولندا، كل من الدنمارك والسويد وليتوانيا وربما دول اوربية اخرى قادم الأيام.. إن أوروبا تقف على عتبة صراع قد يشعل حربا عالمية. الإجراءات التي بدأت من رفع موازنتها العسكرية بأرقام غير مسبوقة الى دعوة الشباب إلى التطوع، انتهاءً بتوزيع كتيّبات الاستعداد للطوارئ، لا تشير إلى “استقرار طويل بل الى تحوّل استراتيجي عميق تكمن في خلجاته الاستعداد الى امرٍ جلل.
أوروبا تريد جيشًا أقوى… ومواطنًا مستعدًا… ومجتمعًا قادرًا على الصمود في الأزمات الواسعة.
هل تقترب أوروبا من حافة مواجهة قد تتدحرج إلى حرب عالمية جديدة؟
لا توجد دولة أوروبية حتى الآن تعلن ذلك صراحة. لكنّ القرارات تظهر ما بين السطور، فالتعبئة المدنية وتعزيز الاحتياط وتجهيز المواطنين للطوارئ ورفع القدرة على التعامل مع الانهيارات الكبرى استعدادات للحرب. ورغم أن احتمال حرب عالمية لا يزال غير مؤكد، إلا أن الحكومات لم تعد تتعامل معه كاحتمال بعيد.
أوروبا تتصرف كما لو أن زمن الاطمئنان انتهى… وبدأ زمن التأهب.. فللمرة الأولى منذ 80 عاما، يتردد في الشارع الاوربي تعليمات حول الأزمات.
إنها صفحة جديدة في تاريخ القارّة. صفحة بدأت أولى كلماتها بالحرب الاوكرانية، وغير معلوم حتى الآن ما ستؤول إليه الكلمة الأخيرة من هذه الصفحة المشؤومة.