رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
آلة الفوضى التي تسكن هواتفنا


المشاهدات 1852
تاريخ الإضافة 2025/12/07 - 9:30 PM
آخر تحديث 2026/02/27 - 2:57 PM

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرّد أدوات تواصل، بل تحوّلت إلى قوّة خفيّة تعيد تشكيل وعينا، وتعيد ترتيب غضبنا، وتوجّه انفعالاتنا الجماعية دون أن نشعر. هذا المعنى يشرحه بعمق كتاب آلة الفوضى للكاتب ماكس فيشر، الذي يكشف فيه كيف تعمل الخوارزميات لا بوصفها أدوات تقنية محايدة، بل بوصفها محرّكات للانقسام والتوتر.
في العراق، لا يبدو ما يطرحه فيشر بعيدًا أو نظريًا. نحن نرى يوميًا كيف تتحوّل حادثة محلية صغيرة إلى عاصفة رقمية خلال دقائق:
عنوان صادم، فيديو مجتزأ، تسريب بلا مصدر، ثم موجة غضب، يليها تخوين واستقطاب واصطفافات حادة. الحقيقة — إن ظهرت — تصل متأخرة دائمًا.
منطق المنصّات بسيط وخطير:
ليس الأهم ما هو الصحيح، بل ما هو الأكثر إثارة.
الغضب يرفع التفاعل، والتفاعل يجلب الإعلانات، والإعلانات تعني أرباحًا. وهكذا يصبح الغضب سلعة، وتغدو الحقيقة عبئًا.
الأخطر من كل ذلك أن المستخدم لا يرى الواقع، بل يرى نسخة “مختارة له” من الواقع.
 الخوارزمية لا تعرض المشهد كاملًا، بل تنتقي ما يعزّز قناعاته السابقة، وتغلقه داخل فقاعة من الرأي الواحد. فيظن أنه يمثّل الأغلبية، بينما هو غارق داخل  دائرة رقمية ضيّقة.
في بيئة مثل العراق، حيث الثقة بالمعلومة هشّة أصلًا، وحيث الإشاعة أسرع من البيان، يصبح أثر هذه الخوارزميات مضاعفًا. منشور واحد قد يشعل خلافًا اجتماعيًا، أو يصنع رأيًا عامًا لحظيًا، أو يحرّك خصومة لم تكن موجودة من قبل.
نحن اليوم لا نعيش أزمة إعلام فقط، بل نعيش أزمة وعي يُدار بالخوارزميات.
كثير مما نغضب له، وننحاز إليه، ونتصارع بسببه، لم نختره بإرادتنا الكاملة، بل اختير لنا بدقة رقمية باردة.
الأسئلة الحقيقية لم تعد:
من نشر الخبر؟
بل: من دفعه إلى الواجهة؟ ولماذا؟ وعلى أي مزاج بُني انتشاره؟
مواجهة هذه “آلة الفوضى” لا تكون بالحجب وحده، ولا بالوعظ الأخلاقي فقط، بل ببناء وعي نقدي لدى القارئ، وإحياء دور الصحافة الرصينة، ومساءلة المنصّات عن دورها الأخلاقي، لا الاكتفاء بتبريرها الدائم: “نحن مجرّد وسيلة”. لقد دخلت الخوارزميات بيوتنا، وسكنت هواتفنا، وأصبحت لاعبًا صامتًا في تشكيل وعينا العام. والسؤال الذي ينبغي أن يقلقنا جميعًا:
إلى أي مدى ما نشعر به اليوم هو شعورنا فعلًا… وإلى أي مدى هو صدى لما قررت لنا الخوارزميات أن نشعر به؟
 


تابعنا على
تصميم وتطوير