
في فضاء الشعر، حيث تتحول الأسئلة إلى مصابيح، وتنمو التجارب مثل حدائق خضراء في ذاكرة المدن، يقف الشاعر حسين المخزومي شاهداً على مسيرة بدأت من زقاق صغير في حي الربيع بمدينة الزعفرانية، لتتسع وتغدو مشروعاً معرفياً وجمالياً يتنفس عبر القصيدة والكتاب والوعي الثقافي. طفولته التي يشبهها بـ»والت ديزني» لم تكن بذخاً، بل كانت ثراءً عاطفياً وروحياً صنعته مكتبة الأب، وأحاديثه، وأحلام أمٍ تحرس خيال طفل سيكبر ليحمل قلمه كنافذة على العالم.
ومن تلك البدايات تشكلت علاقة بصرية ثم روحية مع الكتاب، امتدت من رفوف المنزل إلى مقاعد الجامعة المستنصرية، حيث اختار الإعلام ليس كمهنة فحسب بل كمنبر يرى عبره المعرفة وهي تتجسد في صورة وصوت وكلمة.. بين القصيدة والبرنامج الثقافي، وبين الوعي الجمالي والنشاط الطلابي، نسج المخزومي مساره الذي حمله إلى منصب مسؤول وحدة الإعلام، ثم إلى منصات الشعر، فإلى جوائز عربية واهتمام نقدي أكاديمي.
هذا الحوار لا يستعرض سيرة شاعر فقط، بل يكشف خارطة وعيه، وما يؤمن به من دور للاتحاد والأدباء، ومن أهمية للمعرفة كفعل يومي، ومن مسؤولية تجاه الجمال الذي ينبغي أن يصدر إلى المجتمع قبل أي شيء آخر.
* اهلا ومرحبا بك استاذ حسين وانت ضيفنا اليوم .
ـ اهلا وسهلا بك وانت اليوم في رحاب اتحادنا الكبير .
* من أي حي في بغداد ترعرعت، وكيف كانت طفولتك في بغداد تؤثر على تكوينك الشعري والثقافي؟
ـ أنا من مواليد بغداد عام 1988 في مدينة الزعفرانية، المدينة التي كان لها أثر جميل وبالغ في نشأتي لأنها كانت منطقة شعبية. ولدت في حي الربيع وهو اسم على مسمى وكان له أثر كبير لأنه كان به بيت الجد وكنا به مجتمعين، كانت طفولة زهية لطفل له مخيلة خصبة وكان أثر الوالدين بالغ أيضاً، وكانت لدينا مكتبة وكان والدي مثقفاً وقارئاً بالإضافة إلى أنه كان يغنيني بهذه المعرفة والنقاشات والحوارات. ولهذا نشأت هذه التجربة من هذه البيئة الصحية بسبب والدي ووالدتي وأصدقائي في المنطقة بعمر الطفولة، فكانت تنشئة أراها رائعة و أضافت لي الكثير فأنا أرى أقراني لم يعيشوا مثل الذي عشته. فأنا كنت أشبه طفولتي بوالت ديزني، وهذا ليس ترفاً بالمناسبة فنحن كنا متوسطين الحال، أحب أن أستعير مقطعاً من أغنية عراقية جميلة (فقرة بس مدللين). لهذا أرى أن الدلال هو دلال الشعور و العاطفة الزاخرة و التنشئة الصحية. فكان الأثر الذي تركته أسرتي وهذه البيئة العائلية أثراً كبيراً جداً، وإلى الآن عندما أكتب أرى بعين الطفل ذلك الطفل الذي كنته وهو مستمر معي، لهذا أنا أكتب دائماً نصوصاً بغاية الوضوح والرؤية. أسئلتي واضحة وليست إجاباتي لأننا لا نمتلك إجابات، نحن نحاول أن نسأل، العبرة هي كيف تحاول أن تجعل سؤالك واضحاً للعالم حتى تجيبك الحياة بشكل واضح.
* طيب في أي مرحلة شعرت بأنك تريد أن تكون مبدعاً أو أن لديك رسالة معينة للكتابة أو للصحافة والشعر والمجالات الأدبية؟
ـ كنت مغرماً بشكل الكتب على طرف المكتب، كانت هذه المظاهر تستهويني، كنت أتأمل المكتبة دائماً، شكل الكتاب وكيف تصطف الكتب بجانب بعضها أحب هذه العملية.
منذ البواكر نشأت بيني وبين الكتاب علاقة بصرية أكثر من علاقة قراءة ومعرفة، ثم ارتفع منسوب ذلك حينما أمسكت الكتاب بعمر مبكر 11 سنة، بدأت بقراءة أشياء بسيطة، ثم وجدت أني أختلف عن أقراني في مادة الإنشاء حينما كانوا يستغرقون يوماً أو يومين للتحضير للمادة بينما أنا كنت أكتبه بنفس اللحظة. أدركت من حينها أني أمتلك قدرة على التعبير. بالشعر تحديداً كنت أريد أن أكتب فكان هناك حافز بداخلي يجعلني أكتب على الورق.
* لماذا اخترت أن تدرس الإعلام في الجامعة المستنصرية؟
ـ أنا أحب الشكل الأخير لأي شيء، حتى في المظهر والملبس أحب الأناقة بكل شيء. فكنت أرى الذين يقدمون البرامج في الشاشة يظهرون بهذه الأناقة واللطافة في الطرح، وهناك برامج عدة كنت أتابعها فوجدتني ألتصق بالشاشة بشكل جميل.
كنت أرى أن الإعلام هو الذي يخرج المحتوى المعرفي والثقافي وكل شيء؛ الأغاني تحتاج إلى كلمات وصورة وصوت، الكثير من الأشياء التي نستخدمها الآن هي من الإعلام كما نجري الحوار الآن فهو يندرج مع الصحافة. أحببت أن أمارس هذا الخط ووجدت الإعلام قريباً مني لهذا دخلته.
* أول تجاربك في الكتابة هل كانت بالصحافة أم بالأدب أو في مجال آخر؟
ـ بدأت بالكتابة في الأدب منذ بواكر شعري وأنا ما زلت بالبواكر، لكن في السنوات الأولى، عمر 13 سنة، أنا بدأت أكتب أشياء لا أصنفها، أنا أعدّها شعراً لكن بمعايير الآن أعتبرها تجارب كما يقول ريتسوس (المجد بالخطوة الأولى). فكانت هي الخطوة الأولى في رسم ملامح التجربة القادمة التي هي الكتابة بحقل الأدب أو الشعر تحديداً. وجدتني أكتب نصوصاً وأجمعها وكان لدي حلم أن أطبع كتاباً، لكني لم أطبع في ذلك الوقت لأني كنت متردداً وأسأل كثيراً: كيف تكون القصيدة؟ ما هي معايير القصيدة؟ كيف يكون الشعر شعراً؟ الخ.
* هل كان للمدرسين أثر في توجهك الأدبي؟
ـ كنت أحب درس العربي، الأدب والنصوص تحديداً. كما هناك حادثة، وهذه أول مرة أتحدث بها: كنت أكتب نصوصاً أو جملاً على السبورة، فيدخل المدرس ويسأل: من كتب هذا؟ لا أحد كان يجيبه، ثم يقول: أنا أعرف بأن حسين الذي كتبها، لأن المدرسين كانوا يعلمون باهتمامي بالمجال الأدبي والكتابة.
شجعني الكثير من الأساتذة مثل أستاذ حسين وأنا أحبه جداً، كان مدرس اللغة العربية في المرحلة الإعدادية، وأستاذ حسنين أيضاً، وثلة من الأساتذة الذين كانوا يشجعونني أن أشارك في المسابقات والمهرجانات كما شاركت وقتها وفزت بالمركز الأول.
* هل أثرت فيك الصراعات السياسية والحروب في العراق؟
ـ السياسة هي تفرض نفسها على الحياة رغم أن الشاعر والكاتب ينأى بنفسه عن هذه المتغيرات.
إن الشعر والأدب أعدّه خارج نطاق الزمان والمكان ويُكتب لكل زمان ومكان، فهو يكتب للإنسان، الإنسان ثابت والسياسة متغيرة. لهذا لا أرى أن من المناسب أن ينخرط الأديب بالمؤقت. الأثر الأدبي هو الذي يخلد، وكل هذه السياسة تذهب. مثلاً إن شيد للجواهري تمثالاً لن يزال، على العكس من الحكام أو السياسيين الذين يزالون مع مرور الوقت. عليه أرى أن على الأديب أو الشاعر أن يحترم الأدب لأن الأدب خالداً.
* ما أبرز قراءاتك في بداياتك؟
ـ سأحدثك بشكل عام عن الكتب التي قرأتها في بواكر حياتي. قرأت لجبران خليل جبران المجموعة العربية الكاملة الموجودة إلى الآن عندي بنسخة قديمة جداً أعتز بها، كما قرأت الحي اللاتيني، وهذه أول رواية أقرؤها، و رواية بريق عينيك، هذه التي أتذكرها طبعاً.
القراءة بعد ذلك ارتفعت في عمر 15 و16، أصبحت أبحث كثيراً في علم النفس والاجتماع، هذه العلوم التي تهم الإنسان فردياً واجتماعياً. كل إنسان يحتاج إلى القراءة، فكيف بالذي يشتغل بالكتابة؟ القراءة هي الفيض الأول، الضوء الذي ينير حياة الكاتب في كل الدهاليز التي يدخل بها، سيحتاج إلى نور القراءة والمعرفة. أنا قرأت الفلسفة من طاليس إلى وقتنا، كما قرأت علم الاجتماع وحتى الكتب العلمية، أنا أحاول أن أفهم الكون من خلال الفيزياء وبقية العلوم. من الأعمال المفضلة لدي حياة الأشكال ، كما قرأت الزمن وأطلاله ، هذه الكتب التي أثرت بي بوقتها.
* ما أبرز المحطات التي قادتك لتولي منصب مسؤول وحدة الإعلام في كلية اليرموك الجامعة؟
ـ كلية اليرموك هي من الكليات الرصينة التي أسست في عام 1996، هذه المحطة من حياتي أحبها جداً فكانت رائعة.
رشحني بعض الأساتذة لما رأوه من إمكانيات حيث كنت أصنع أحداثاً جميلة بين الطلاب، أنشر المعرفة والعلم بينهم وأعمل مسابقات، كما كنت أغطي أخبار الجامعة. قضيت في هذا المكان الجميل سنتين على ما اعتقد.
* أول مجموعة شعرية صدرت عنك (تغير الأسماك رأيها على اليابسة)، كيف كان شعورك وقتها؟
ـ تباطأت وتأخرت متعمداً في صدور المجموعة الأولى، المجموعة كانت كاملة منذ عام 2010 ترددت بها إلى أن نشرتها بعام 2014، فقال لي أحد الأصدقاء الشعراء: يا حسين إذا بقيت هكذا لن تطبع. صدرت المجموعة من دار الرافدين بعنوان تغير الأسماك رأيها على اليابسة، ونالت استحساناً كبيراً من القراء وكتب عنها العديد من الأسماء الشعرية الكبيرة مثل محمد علي رحمه الله، الدكتور ثابت الألوسي، الدكتور سمير الخليل، الدكتور عبدالستار الأسدي وغيرهم من الأساتذة الكبار الذين لهم ثقلهم. هذه كانت المجموعة الأولى ثم الثانية «يفكر مثل الماء ولا يجري» التي فازت بجائزة الإبداع بالقائمة القصيرة وهذا كان شيئاً جميلاً رغم أني نادراً جداً ما أشارك بالمسابقات.
* هل كانت لك حصيلة من الفوائد التي اكتسبتها من الإعلام؟
ـ تعلمت بعض الأشياء والأساسيات وأصبحت لدي قدرة أعدّها جيدة لكني ما زلت أبحث لأتعلم أكثر وأتعرف على معارف خط الإعلام، منهم أساتذة كبار مثل حضرتك أستاذ جمال، وأستاذ منذر عبد الحر، أساتذة كبار وإعلاميين أراهم مجيدين. تعرف أن الإعلام في وقتنا الحالي أخذ منحى آخر بوجود السوشيال ميديا، له أوجه كثيرة، وأنا أتمرن دائماً وأعد نفسي جاهزاً لتقديم البرامج الآن.. الإعلام الآن هو الموجه كما تعرف بأن الوعي الجمعي يحرك من قبل الإعلام لأنه الآن هو المؤثر الحقيقي بحياة الناس، لهذا نحن نعوّل على قنواتنا والجهات الإعلامية بأن تصدر دائماً المعرفة والجمال لأنها هي التي تخلق وعياً جمعياً رصيناً يحترم الذوق والفن والجمال والحقيقة لأننا كلنا ننشد الحقيقة في نقل الخبر أو نقل المعرفة بجودتها العالية.
* كنا نود أن نطيل الحوار ونزيد الاسئلة إلا اننا نكتفي بما قدمنا، مع امنياتنا بالموفقة والمزيد من العطاء الشعري والاعلامي، شكرا لك .