
أعادت دوائر التاريخ في الجامعات العراقية خلال السنوات الأخيرة تسليط الضوء على تاريخ الدولة العثمانية بوصفها «الدولة العليّة» التي حكمت مساحة واسعة من العالم، فدرست جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. غير أن العديد من محاور تاريخ العراق العثماني ما زالت بحاجة إلى دراسات معمقة، خصوصاً بعد توافر كمّ كبير من الوثائق العثمانية منشورة ومترجمة، وهي وثائق لا يمكن تناول أي حدث تاريخي بدقة من دون الرجوع إليها أو إلى مصادر محايدة تثبت صحة المعلومات وتسدّ الثغرات المعرفية.
وفي هذا السياق، صدر مؤخراً ضمن سلسلة «كتاب العدد» التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة في وزارة الثقافة والسياحة والآثار، كتاب خاص لمجلة «الثقافة التركمانية» التي يرأس تحريرها الدكتور صباح عبد الله كركوكلي. جاء الكتاب بعنوان «أصول عثمانية لتواريخ عربية» لمؤلفه الباحث الدكتور علي شاكر علي، وهو عمل علمي يضم ست دراسات تسلط الضوء على أحداث وتواريخ عربية تعود في جذورها إلى مصادر عثمانية قلّ أن تناولها الباحثون سابقاً.
توقف الفصل الأول عند أوضاع القدس بوصفها سنجقاً عثمانياً يكتسب صفة «السنجق الشريف» تقديراً لمكانته الدينية. أما الفصل الثاني فبحث في ظروف استحداث إيالة البصرة والتنظيمات الإدارية والمالية التي اعتمدتها الدولة العثمانية لجعلها قاعدة استراتيجية في مواجهة النفوذ البرتغالي والصفوي. وناقش الفصل الثالث كتابات حاجي خليفة المتعلقة بجغرافية العراق وتحليلاته لأسباب ضعف الدولة العثمانية. بينما تناول الفصل الرابع مؤسسة الاحتساب العثمانية وأثرها في الحياة العامة داخل الولايات العراقية.
وفي الفصل الخامس، يتابع المؤلف نشأة مكتب التعليم العالي للحقوق في ولاية بغداد عقب الانقلاب العثماني عام 1908، والدور الذي لعبه في إعداد النخب الإدارية والسياسية، حيث تخرج فيه عدد من كبار الإداريين الذين أسسوا نواة المؤسسة الأكاديمية الحديثة في العراق. أما الفصل السادس والأخير فسلط الضوء على حضور الشاعرين العراقيين معروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي في استانبول، ودورهما في فضاء التنوير العثماني على مستوى الفكر والأدب.
جاء الكتاب في 224 صفحة من القطع المتوسط، وصمّمت غلافه الفنانة ابتسام السيد، ليشكل إضافة جديدة ومهمة في مسار الدراسات التاريخية العثمانية والعربية على حد سواء.