
كان يأسرني صديق يصمت بتأمل عميق وحكمة توقظ الوعي، ويتكلم بكلام قليل يوقظ العقل، ويبوح بالحكمة.كنت أتعلم منه وأشتاق إليه، اشتياق روح تبحث عن معنى يفلت من صخب الواقع. الصمت في حضوره لم يكن امتناعًا عن الكلام، كان حالة تفتح للوعي بابًا لاكتشاف الذات، وتعيد ترتيب الداخل على ايقاع سكينة تتخلق في أعماق الانسان. فرض علينا المنفى أن نعيش في مدينة واحدة عدة سنوات، رأيته يواظب على وحدته الهادئة، كأنه يمضي في دروب لا تراها العيون، ويستكشف معالم ذات لا يكشف مدياتها الكلام. رأيت لديه ذكاء حادًا يسطع من كلماته، وتفردًا في أفكاره ومواقفه وطريقة عيشه، كأن الصمت لديه لغة أخرى تمنح المعنى محتواه، وتعيد للوعي قدرته على الانصات لنداء داخلي يظل خافتًا في حياة يستبد بها الضجيج.
كان يلوذ بالصمت أغلب الوقت، قلما يتكلم، واذا تكلم نطق بأسئلة لا يوقظها إلا ذهن أيقظه الصمت من غفوته، كأن الصمت يحرر وعيه من ثقل الضجيج، ويفتح له أفقًا يشعره بالسلام. إذا صاغ مفهومًا أو فسّر ظاهرة أو حدثًا أو موقفًا مضى الى أعماق لا يصل اليها الا عقل تعلم الإصغاء لتأمله الصبور، حتى غدت أفكاره لافتة في حدتها، كأن كل فكرة يطلقها تخرج من تأمل طويل. الشجاعة تتوطن عقله، وعيه مرآة صافية للواقع، كان يراقب ذاته والعالم بتريث يحفظ له صفاء الرؤية. لغته خالية من الهذر، يكره فائض الألفاظ، ويحرص على أن يفكر عقله قبل أن تنطق شفتاه، كأنه يزن الكلمة بميزان يختبر صدقها وجدواها في حياة الانسان. سكينته الباطنية تكشف لي معنى كون الصمت أفقًا يتخلق فيه المعنى، وأن الصوت الداخلي لا يسمعه الا من أنصت لذاته طويلًا، وتهيأ لاستقبال نور يتجلى في أعماق بعيدة عن ضوضاء العالم، حيث يغدو الصمت موطنًا لحضور خفي يشعر فيه الإنسان أن قربه من ذاته هو الطريق الوحيد الى قربه من المعنى، كأن الصمت يعيد بناء الداخل على ايقاع نور يأتلف فيه العقل والقلب والروح، ويتحرر الانسان من ضوضاء ثرثرة الأصوات التي تعزله عن ذاته، وتحجبه عن رؤية الواقع الذي يعيش فيه، ليكتشف أن الطريق الى المعنى يولد عبر التأمل، الذي لا ينفتح الا لمن صبر على الإنصات لنداء ينطلق من الأعماق.
وجدت في هذا الصديق نسخة نادرة من البشر، كأنه خلقه الله كما يتمنى أن يكونه كل أحد. كان إنسانًا يدرك أن المعنى يولد في الصمت، وأن الوعي يضيع حين تتراكم ضوضاء الواقع على القلب. تعلمت منه درسًا دائمًا في الإصغاء، وأكتشفت معه أن السكينة لا تنبع من الخارج، وأنها تنشأ في خارطة باطنية يقرأها إنسان صبور على التفكير الطويل. قادر على أن يسكن إلى نفسه، ويتهيأ لصوت داخلي لا يسمعه إلا من تخلص من فائض الكلام، وتحرر فكره من لهاث التبرير والتعليق والاعتذار. تهيأت ذاته لاستقبال نور يتجلى في ذات تنفر من الأصوات العالية، إذ يغدو الصمت موطنًا لحضور خفي يستعيد فيه الإنسان قدرته على رؤية ذاته بصفاء، ويشعر أن الطريق إلى المعنى يمر عبر ذلك التأمل الذي لا يكشف أسراره إلا لمن صبر على التأمل الطويل، واستجاب لذلك النداء البعيد الذي ينطلق من ذاته، ويعيد بناء حياته من الداخل.
أراه يمشي وحده، ويعيش وحده، وينام وحده، ويأكل وحده، ويبتعد عن المجموعات التي تستنزف العمر بكلام لا يضيف معنى. عقله يعرف الطريق من غير دليل، وكأن وحدته صارت بوصلة تنقذه من التخبط والتيه في مغامرات عشوائية. تمشيت معه قبل نحو أربعين سنة، وقلت له ما رأيك أن نلتزم بموعد يومي نلتقي فيه ونتحدث قليلًا في شؤون الدنيا والدين؟ أجابني بصدق يشبه صفاء الصمت، فقال: حتى لو تمشيت مع إنسان أحبه، لا أستوفي حاجتي إلا أن أصمت وأتمشى وحدي. كان متأملًا، عميق النظر، يعيش وعيه في رحلة تفكير متريث في الواقع الذي يعيش فيه، والناس الذين يتعامل معهم. يواصل بإدمان الإصغاء لذاته، كأن الصمت صار وطنًا داخليًا يحميه من فوضى الخارج، وملاذًا يجد فيه المعنى قبل أن ينطفئ في زحمة الاصوات، ومساحة استبصار نور يتجلى في أعماق ذات محصنة من الضوضاء. تتكشف حكمة الإنسان حين يعود إلى سكينته، ويرى أن قربه من ذاته هو الطريق الأقرب إلى قربه من الحقيقة.
الصمت أنقذه من ضوضاء الواقع ولغو الثرثارين، وفتح له نافذة يرى فيها ما يحتجب عن العيون. كان يتلمس كيف يوقظ الصمت وعيه، ويصنع له أفقًا في الصفاء الداخلي، لذلك يحرص على ألا يكسر صمته بأي إغواء مهما كان. وذلك ما يدعوه للقول: إنه لا يطيق الحضور الطويل مع مَن يحبهم، فكيف يطيق الحضور مع أولئك البشر الذين يضجر منهم الحجر. يرى أن الصمت أصدق من الكلام، وأن الإنسان لا يسمع صوته إلا إذا اختفى صوت مَن حوله، وأن المعنى لا يولد إلا في لحظة يصحو فيها القلب من ضجيج الحياة، ويستعيد صلته بندائه الداخلي، ذلك النداء الذي لا يسمعه إلا من اختبر أثر الصمت بتدريب ذوقه على بروتوكول الإنصات في شخصيته، وأدرك أن الوعي لا يستيقظ إلا في المسافة التي تنفتح بينه وبين الغير، حيث يتجلى المعنى لمن تهيأ لاستقباله، وسكن إلى تأمل طويل يبصر فيه ما لا تراه العيون.
رأيت هذا الصديق ينشغل دائمًا بما هو مثمر وبناء،كانت شخصيته تتطور وتتكامل بطريقة تدهشني في كل مرة ألتقيه فيها، كأن وعيه يرسم خارطة حياته بصمت واثق.
قرر أن يتعلم اللغة الإنجليزية فأصبح يقرأ ويكتب بها في أقل من سنة، ثم اتجه إلى الرياضيات العالية والفيزياء النظرية والكيمياء وعلوم الحياة، فقرأ مؤلفات حديثة متقدمة حتى استوعبها استيعابًا لا يبلغه إلا من تحركه حاجة عقلية إلى المعرفة، مع أنه لم يكمل تعليمه الأساسي.كان عصاميًا يعلّم نفسه بنفسه، ويتعامل مع طلب المعرفة بوصفه استجابة لشغف بالمعرفة لا يرتوي في عقله، ويهب ما يتعلمه لكل من يقترب منه، ويعرف أن العلم يزيد حين يمنح للآخر، وأن انفاق المعرفة تعيشها الشخصية التي ترى في العطاء طريقًا إلى السعادة.
زرته في غرفة ضيقة يعيش فيها، فلم أجد مدفأة في شتاء قارس، حين فكرت أن أشتري له مدفأة قال إنه لا يحتاج إليها، وإنه اختار أن يستغني عن بعض الاحتياجات الضرورية كي تتصلب إرادته، ويبتعد عن كل ما قد يستعبده، لأنه يخاف أن تمتلكه الأشياء فيفقد حريته الداخلية. الإنسان حين تتملكه الأشياء يغدو هشًا، ولا يقوى على مواجهة مواجع الأيام، وتتصدع روحه مع كل تقلب في الواقع، ويعتقد أن صلابة الإنسان تولد من داخله، من وعي يتحرر من أثقال التعلق، ومن قلب يختبر معناه بعيدًا عن وهم أن القيمة تقاس بما نمتلكه، وأن الحرية تبدأ حين ينهض الإنسان من داخل نفسه، ويصغي إلى ذلك الصوت الذي يذكره أن القيمة تنشأ من صفاء الروح، لا من وفرة الأشياء.
يقول إن الحرية تنبع من قدرة الإنسان على الاستغناء، وإن مَن يملك نفسه أرسخ ممن يملك الأشياء، وإن ما ينقذ الروح في لحظات الانكسار ليس المتاع الذي نجمعه، وإنما المعنى الذي نبنيه، والخبرة التي تنضج في الداخل، والأفق الذي يظل مفتوحًا للوعي مهما ضاقت بنا الظروف.
هكذا كان هذا الصديق يقدم درسًا حيًا في أن الإنسان كلما خف حمله الخارجي اتسعت رؤيته وحريته، واشتدت إرادته، واستعاد قدرته على الإصغاء لنداء الذات، ذلك النداء الذي لا يسمعه إلا من تحرر من ضوضاء الأشياء ومن فوضى التعلق والتهافت على كل شيء، واكتشف أن الكرامة والصلابة والسلام تنبع كلها من حرية لا تهبها الحياة إلا لمن سلك طريقًا يأخذ الإنسان الى تربية ذاته أولًا، ويوقظه الى حقيقة أن القيمة التي تمكث هي تلك التي تتجلى في سلام الذات، واتساع الوعي، ووضوح الرؤية.