رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
إسرائيل: الحرب أفضل وسيلة للدفاع


المشاهدات 1068
تاريخ الإضافة 2025/11/30 - 9:03 PM
آخر تحديث 2025/12/01 - 1:30 AM

منذ الإعلان عن قيام الكيان الإسرائيلي على أرض فلسطين عام 1948، وبريطانيا ترعاه كقوة منتدبة وراعية للمشروع الصهيوني، بدا واضحًا أن هذا الكيان لم يكن مجرد نتيجة صراع سياسي أو نزاع جغرافي، بل هو امتداد لمخطط أيديولوجي طويل الأمد، يستند إلى خلفيات دينية وعقائدية، ويستمد شرعيته الزائفة من دعم قوى كبرى وجماعات ضغط عالمية.
لم يكن الاحتلال الإسرائيلي وليد لحظة، بل نتيجة مدروسة لتحالفات تاريخية، بدأت مع وعد بلفور 1917، وترسّخت مع عصابات صهيونية مثل “الهاجاناه” و”شتيرن” و”إرجون”، التي مارست الإرهاب المنظم تحت غطاء الشرعية الدولية. هذه العصابات لم تكن فقط مجموعات مقاتلة، بل كانت النواة الأولى لبنية الدولة العبرية، التي نشأت على أنقاض الشعب الفلسطيني بعد عمليات تطهير عرقي وتهجير قسري.
في الوقت نفسه، استمر العدو الإسرائيلي في فرض سياسة الأمر الواقع، رافضًا الاعتراف بأي قرار دولي لا يخدم مصالحه. لم يلتزم بحدود، ولم يخضع لمحكمة دولية، بل أمعن في العدوان، واغتال، وقصف، وهدم، وهجّر. حتى الحكومات العربية المتخاذلة، التي سعت أحيانًا للتطبيع أو تقديم التنازلات، لم تسلم من غطرسته، بل زادت من شهيته التوسعية.
أما لبنان، فلطالما شكّل جزءًا محوريًا في الحسابات الاستراتيجية للمشروع الصهيوني، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي المحاذي لفلسطين المحتلة، بل لما يمثله من رمزية مقاومة إقليمية. فمنذ الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، مرورًا بالحروب المتعاقبة، وسلسلة محاولات اغتيال القادة الوطنيين، وصولاً إلى الضغوط الاقتصادية والأمنية المتواصلة، ظلّ لبنان ساحة مواجهة مفتوحة. ويُضاف إلى ذلك الطموح الإسرائيلي التاريخي بالسيطرة على الموارد المائية، لا سيما مياه نهر الليطاني، وهو ما يعدّه الاحتلال عنصرًا حيويًا في أمنه المائي. وقد شكّلت نية رئيس الوزراء الأسبق إسحق رابين بالانسحاب من الجنوب اللبناني، قبل اغتياله، تهديدًا مباشرًا لهذا الطموح، الأمر الذي أثار تساؤلات حول طبيعة مقتله وتوقيته في سياق الصراع على لبنان.”في المحصلة، لا تزال إسرائيل تمثل حالة استثنائية في النظام الدولي، دولة تُمارس الاحتلال والاستيطان والاغتيال، دون أن تخضع لمساءلة، فقط لأنها تنتمي إلى تحالف عقائدي غربي يراها رأس الحربة في مواجهة الشرق.
إن فهم البعد العقائدي والتاريخي للمشروع الإسرائيلي، يُساعد على قراءة سلوكه العدواني في المنطقة. فليست المسألة صراع حدود أو أمن فقط، بل مشروع توسعي متكامل، يستخدم الدين والسياسة والاقتصاد والإعلام كأدوات للهيمنة. وهذا ما يجعل الصراع معه وجوديًا، لا سياسياً فحسب.منذ عودته إلى سدة الحكم، اتبع بنيامين نتنياهو سياسة تعتمد بشكل كبير على توظيف الحرب كأداة سياسية واستراتيجية. يرى نتنياهو في التصعيد العسكري وسيلة فعالة لإعادة ترتيب الأولويات الإقليمية، وكذلك لكسب أوراق ضغط داخلية تعزز موقعه السياسي في مواجهة أزماته المتعددة، خاصةً في ظل الاحتجاجات والملفات القضائية التي تحاصره.عقيدته الأمنية ترتكز على مبدأ أن “الهجوم هو أفضل وسيلة للدفاع”، حيث لم يتردد في شن حروب متكررة على غزة، وتنفيذ عمليات عسكرية استباقية في سوريا ولبنان، فضلاً عن التهديد المستمر لإيران. هذا النهج يهدف إلى فرض الهيمنة الإسرائيلية وردع أي محاولة لتأسيس توازن ردع حقيقي في المنطقة.ويستند نتنياهو في هذه السياسة إلى دعم غير مشروط من الولايات المتحدة وبعض القوى الغربية، مما يمنحه هامشًا واسعًا للتحرك عسكريًا دون الخوف من تبعات دولية حقيقية. وقد تجلى ذلك بوضوح في عدوان 2023 على غزة، حيث استخدم نتنياهو حتى المنابر الدولية مثل الأمم المتحدة لفرض رؤيته التوسعية.
وبالعودة الى لبنان وبعد الاغتيال الأخير في الضاحية، تتجه الأمور نحو تصعيد خطير قد يعيد المنطقة إلى دوامة من العنف والتوترات التي تهدد الاستقرار اللبناني والإقليمي. هذا الحدث لا يُعد مجرد عملية أمنية عابرة، بل يُنظر إليه كرسالة سياسية قوية تحمل في طياتها دلالات على تصاعد الصراع بين الأطراف المختلفة، خاصة بين إسرائيل وحلفائها من جهة، وحركة المقاومة اللبنانية من جهة أخرى. الاغتيال يزيد من حالة الاحتقان الداخلي في لبنان، ويعزز الانقسامات السياسية والاجتماعية، مما يصعب فرص التهدئة. في ظل هذه الأجواء المشحونة، يبدو أن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من التوترات، تتطلب جهداً دبلوماسياً مكثفاً لتجنب الانزلاق نحو مواجهة واسعة قد تكون عواقبها كارثية على الجميع. ويبقى السؤال الأكبر: هل المنطقة مقبلة على مزيد من الصراعات؟!


تابعنا على
تصميم وتطوير