
قال الإمام علي (ع): (المتعبد على غير فقه كحمار الطاحونة يدور ولا يبرح، وركعتان من عالم خير من سبعين ركعة من جاهل، لأن العالم تأتيه الفتنة فيخرج منها بعلمه، وتأتي الجاهل فتنسفه نسفاً، وقليل العمل مع كثير العلم خير من كثير العمل مع قليل العلم والشك والشبهة).
كلمة الإمام علي (ع) هذه تقدّم صورة عن كيفية علوق الإنسان في دائرة معرفية مغلقة، وهو ما يدفعنا للتساؤل: ما هو تعريف الدائرة المعرفية المغلقة؟
ونقول في الجواب عن ذلك: هي دائرة معرفية نغلقها على أنفسنا ونحبس عقولنا فيها، ونظلّ عالقين فيها إلى أن نوفق لكسر التقيد بها كنمط معرفي والتحرر من أسرها كنموذج قسري، عبر النظر إليها وفيها بدل النظر من خلالها.
وهنا يمكن استثارة عدّة أسئلة:
السؤال الأول: ما هي المجالات التي يمكن أن نتحدث فيها عن حضور وسيطرة نظام الدوائر المعرفية المغلقة في حياتنا؟
ونجيب بالقول: يمكن رصد هذا النظام في خمسة مجالات كبرى تمثل مستويات الوعي الإنساني والاجتماعي:
1- المجال العقائدي والديني: وذلك حينما يتحول الإيمان إلى تقليد جامد بلا فقه ولا فكر، تصبح الدائرة مغلقة على الفهم الحرفي للنصوص، فيتعطل الاجتهاد ويتجمد الوعي، وتكون النتيجة عبادة بلا وعي، وتديّن شكلي يفتقد روح الفهم والحركة، كما أشار الإمام (ع) في قوله عن المتعبد على غير فقه.
2- المجال الفكري والمعرفي: وذلك عندما يتقوقع الإنسان أو المجتمع في مدرسة فكرية أو أيديولوجية واحدة، ويرفض النظر إلى العالم من خارج منظوره، فتتحول الأفكار إلى سجن معرفي مغلق، وتكون النتيجة خلق عقل مؤدلج لا يقرأ الواقع بل يفرض عليه قوالبه.
3- المجال العاطفي والنفسي: وذلك حينما يعيش الإنسان داخل دائرة مشاعرية مغلقة من الخوف، أو الكره، أو التعلق، فيرى العالم من خلال عدسة واحدة، وتكون النتيجة إعادة إنتاج نفس التجارب المؤلمة، ورفض كل جديد لا يتسق مع التجربة السابقة.
4- المجال الاجتماعي والثقافي: وذلك حين تتكرس الأعراف والعادات بوصفها «حقائق مطلقة» لا يمكن تجاوزها، فتتحول إلى دوائر مغلقة تمنع التجديد والإصلاح، وتكون النتيجة ولادة مجتمع مقلّد مأسور لرموزه.
5- المجال السياسي والإعلامي: وذلك من خلال صناعة »روايات رسمية» تُغلق الوعي العام داخل منظور ضيق للحقائق، فيبقى الناس أسرى لما يُراد لهم أن يصدقوه، وتكون النتيجة خلق وعي جماعي مُوجّه يخدم مصالح القوى المسيطرة.
السؤال الثاني: ما العلوم التي يمكن الاستفادة منها في دراسة وتحليل وفهم أسباب وجود هذه الظاهرة في حياتنا البشرية؟
ويمكن القول إن العلوم التي يمكن توظيفها لفهم وتحليل هذه الظاهرة هي:
1- علم النفس المعرفي (Cognitive Psychology): لدراسة كيف تبني العقول «أطرًا معرفية» مغلقة تشكل الإدراك والذاكرة والانحيازات.
2- علم الاجتماع المعرفي (Sociology of Knowledge): لفهم كيف تنتج المجتمعات أنظمتها المعرفية وفق مصالحها وبُناها السلطوية.
3- علم الأعصاب الإدراكي (Neurocognitive Science): لدراسة كيف تتصلب الشبكات العصبية حول أنماط التفكير المتكررة.
4- الفلسفة النقدية ونظرية المعرفة (Epistemology & Critical Theory): لتحليل شروط المعرفة، وحدودها، وكيفتتحول إلى سلطة.
5- الدراسات الثقافية والإعلامية: لفهم دور اللغة والسرديات الرمزية في تشكيل حدود الوعي الجمعي.
6- الأنثروبولوجيا الثقافية: لدراسة كيف تُغلق الجماعات الثقافية على تصوراتها الخاصة للعالم.
السؤال الثالث: هل يمكن أن تكون الجينات الوراثية والتربية العائلية والبيئة الاجتماعية والتجارب الشخصية هي العوامل الأساسية في تشكيل نظام الدوائر المعرفية المغلقة في حياة الإنسان، أم هناك عوامل وأسباب أخرى؟
فنقول في الإجابة عنه: العوامل المكوّنة للدوائر المعرفية المغلقة كثيرة ومتعددة، صحيح أن الجينات الوراثية، والتربية العائلية، والبيئة الاجتماعية، والتجارب الشخصية تمثل ركائز أساسية، ولكنها ليست الوحيدة فهناك أيضًا:
1- البرمجة الإدراكية المبكرة: أنماط التلقين الأولى التي تحدد طريقة استقبال المعلومات (RAS).
2- التحيزات المعرفية (Cognitive Biases): مثل تحيز التأكيد، والانغلاق الفكري، والخوف من التناقض المعرفي.
3- السلطة المعنوية والرمزية: رموز دينية، فكرية، أو سياسية تجعل «الاختلاف» يبدو كخيانة أو كفر.
4- الكسل العقلي والرضا الذهني: وهو الميل النفسي لتجنب التعقيد والشكّ والبحث، والاكتفاء بالمسلمات.
السؤال الرابع: كيف يمكن كسر الدائرة والوعي بهيمنة وسيطرة نظام الدوائر المعرفية المغلقة على عقولنا وتفكيرنا ومشاعرنا وأحاسيسنا والتحكم في اتخاذ قراراتنا وتوجيه تصرفاتنا وأفعالنا والتحرر منه؟
يمكن صياغة منهج تحرري خماسي لكسر الدائرة المعرفية المغلقة، على وفق المستويات الخمسة للإنسان:
1- على مستوى العقل: من خلال تعلّم فن الشك المنهجي، والتفكير النقدي، واستعمال المنطق لا الدفاع العاطفي عن المعتقدات.
2- على مستوى الفكر: عبر ممارسة «التفكير من الخارج»، أي تأمل المنظومة المعرفية نفسها بدلاً من التفكير من داخلها.
3- على مستوى القلب: من خلال تحرير المشاعر من الخوف والارتباط المرضي بالمألوف، وتنمية الشجاعة الوجدانية لتقبّل المجهول.
4- على مستوى الحواس: عن طريق تنويع مصادر الخبرة والتجربة (سفر، قراءة، لقاء المختلفين) لتوسيع الإدراك الحسي للواقع.
5- على مستوى الأعضاء (السلوك): عبر تطبيق المعرفة في الفعل لتتحول القناعات إلى واقع عملي متجدد، فيتحقق «التحرر بالعمل».
السؤال الخامس: من هي الجهات الاجتماعية التي تحرص على إبقاء الأمم والشعوب تحت تأثير وسيطرة نظام الدوائر المعرفية المغلقة؟
وفي الجواب عن هذا السؤال نقول: يمكننا تحديد الجهات الاجتماعية المستفيدة من إبقاء الناس داخل الدوائر المغلقة فيما يلي:
1- الأنظمة السياسية السلطوية: لأنها تضمن بقاء الوعي الجمعي محصورًا في دائرة الطاعة.
2- المؤسسات الدينية المتكلسة: التي تخشى التجديد لأنها تهدد سلطتها الرمزية.
3- الإعلام الموجّه: الذي يصنع سرديات جاهزة تحجب التفكير المستقل.
4- الشركات الكبرى والرأسمالية الحديثة: عبر هندسة الاستهلاك وإغلاق الأفراد داخل دوائر الرغبة.
5- الجماعات الفكرية والأيديولوجية المتطرفة: التي تبني «هويات مغلقة» تقوم على ثنائية نحن/هم.