
لم يُعد واقع البيئة في العراق أمراً هامشياً أو مجالاً تخصصياً يثيره البعض ممن لهم الخبرة في مجال البيئة وآثارها السيئة والتي بدأت تتمظهر في صورة مرعبة نتيجة انبعاث الغازات السامة في سماء العراق، فقد اضحت البيئة كأثر سلبي جزء اصيل من معادلة الحياة اليومية بل وتكشف عمق التحديات التي يواجهها العراق على المستوى الصحي والاقتصادي، فما بين مشاعل النفط والغاز المحترق والتصحر الذي يلقي بضلاله على سماء وارض العراق وجفاف الأنهر، ومابين الأهمال المتعمد والمقصود ، كل ذلك يحكي قصة وطن يختنق بهدوء وصمت !!! بيئتنا التي كان يتغنى بها الشعراء والادباء وهي محط تفكير وتأملات الفلاسفة والمفكرين والفقهاء والمبدعين، أضحت أسيرة تسرّب الغازات الملوثة من المعامل والمصانع والمولدات الكهربائية المنتشرة في كل نواحي العراق وبات العراقيون يستبدلون نسمة الصباح وعليلها بغاز الميثان وأوكسيد الكبريت او النيتروجين، وهذا الاستبدال قد أحدث زلزالاً إنسانيا خطيراً على المستوى القريب والبعيد من أمراض وأبوئة مُلئت واختنقت بها الصدور البريئة ! ، إن واقع تلوث البيئة في العراق لم يُعد امراً بسيطاً ولا خللاً طبيعياً بل هو يكشف عن واقع آخر نقوله بمرارة وحزن الا وهو ضعف التخطيط وغياب الأدارة أو التنمية المستدامة ، كلنا يعلم ان العراق كان ينبض بالحياة النقية لأنه يكتنف في ارضه نهران جاريان تشع منهما أنواع الحياة المختلفة الا ان هذين النهرين اصبحا اليوم ضحية السياسات الخاطئة التي مرت وتمر على البلد دون أدنى تأمل في حلحلة هذا الامر الغريب حتى باتت أنهر العراق وأراضيه جرداء خالية من روح الحياة وعصبها الذي قال عنه المولى عز وجل ( وجعلنا من الماء كل شيء حي ).
العراق اليوم يقع في قلب معركة العالم مع المناخ بكل صوره الطبيعية أو الاصطناعية، هذه المعركة التي لا تنتظر أحداً سوى انها تهلك الحرث والنسل بمستويات مختلفة فمن التغير المناخي الذي يزيد من حدة الحرارة ويقلل الأمطار الى الغازات السامة والتصحر والعواصف الترابية كل ذلك يجعلنا ننشد القول بالرجوع الى البيئة وأن تكون في نصابها الصحيح والمستقيم، والمعالجات كثيرة في هذا الصدد وذوي العقول والمختصين يتواجدون في كل مكان من العالم لذلك العلاج، ومالم يتم رسم سياسة بيئية صحيحة سنبقى في ذيل قائمة الدول المتخلفة بيئياً دونما حلول تُذكر وستتوسع دائرة أزمة البيئة لتصبَّ جام غضبها على الناس والمجتمع، هنا لابد من وقفة اجتماعية ودينية وسياسية في المرحلة المقبلة للنهوض بواقع البيئة المستدامة واخراجها من هذا التطرف المقيت الذي تصنعه في الواقع البشري، اما بفعل فاعل او انها اي البيئة متطرفة بذاتها أحياناً، ومع كل ذلك لابد من معالجات آنية ومستقبلية لوضع حد لهذا التلوث البيئي الذي خنق الصدور وملأ السماء بتطرفه المقيت.
وأخيراً نقول: إن حماية العراق وبيئته ليست خياراً تجميلياً بل هو مسارٌ وطني يتكفل به جميع المعنيين في مؤسسات الدولة والاقتصاد والمجتمع فالهواء النظيف حقٌ إنساني كما الماء الصالح للشرب حقٌ أيضاً، والعراق الذي هو مهد الحضارات وبلد البيئة المستدامة قادرٌ على النهوض من جديد وفق سياقات بيئية آمنة ينعم فيها أهله بسلامة الصدور من الاوبئة والأمراض والتلوث البيئي!، وعطش الأرض ينتظر منا حلولاً كي نسقيه ماءً فراتاً عذباً لذةً للزُّراع وللشاربين كي ينعم الجميع بسماء صافية وأرض مرتوية وصدور نقية خالية من الأوبئة.