رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
عماد بهجت رحلة فنية تخطت حدود العراق وصنعت إسماً لامعاً


المشاهدات 1066
تاريخ الإضافة 2025/11/30 - 8:59 PM
آخر تحديث 2025/12/01 - 1:29 AM

يحتل المخرج العراقي عماد بهجت مكانة خاصة في ذاكرة الإذاعة والتلفزيون العراقيين، ليس فقط لكونه واحداً من أوائل الأسماء التي أسهمت في بناء هوية فنية راسخة للمشهد التلفزيوني، بل لأنه شكّل علامة فارقة في تطوير الأساليب الإخراجية، وتمكّن عبر رؤيته وبصمته الفنية من أن يكون جسراً بين الأجيال.. امتلك قدرة بارزة على المزج بين الخبرة الأكاديمية والموهبة الفطرية، وانتقل من المحلية إلى العربية، ثم إلى العمل المؤسسي الإعلامي الكبير من خلال قناة الجزيرة، قبل أن ينتقل للاستقرار في كندا حيث يعيش مع عائلته، مستمراً في حمل رسالة الفن والإبداع.
وفي هذا التحليل الصحفي، نقترب من تجربة هذا المخرج الذي ارتبط اسمه بتاريخ السهرات التلفزيونية العراقية، والدراما، والمنوعات، والمهرجانات، وكذلك بعلاقته الإنسانية والفنية مع زوجته الفنانة المعروفة سيتا هاكوبيان.
الجذور الأولى ونشأة الموهبة 
ولد عماد بهجت زياد في مدينة كركوك عام 1948، في بيئة متعددة الثقافات، أتاحت له التعرف على لغات مختلفة، من بينها التركمانية والكردية، وهو ما أفاده لاحقاً في تنفيذ أعمال درامية متنوعة بلغات غير العربية. نشأ في عائلة تقدّر الفن، وكان لأخيه الذي كان يمثل في مسرحيات المدرسة دور مهم في ترسيخ بدايات الشغف الفني لدى عماد. هذا الاحتكاك المبكر بالعروض المسرحية جعله يميل بشكل طبيعي إلى عالم الإبداع، الأمر الذي دفعه إلى اتخاذ قرار مفصلي بتفضيل دراسة الإخراج والفن على دراسة الهندسة التي كانت العائلة تتوقع أن يكملها في كركوك.
اختار بغداد لتكون محطة التحول الكبرى، فالتحق بأكاديمية الفنون الجميلة، وهناك تبلورت موهبته أكثر عبر التدريب والدراسة العلمية. تخرج بدرجة جيد جداً، ودخل عالم الاحتراف من باب المؤسسة الأهم في العراق آنذاك، دائرة الإذاعة والتلفزيون.. الانضمام إلى هذا الصرح كان فرصة لعماد كي يختبر طاقاته، وخصوصاً أنه بدأ كمساعد مخرج ثم أصبح بعد ستة أشهر فقط مخرجاً معتمداً، وهو زمن قياسي يعكس مهارته وقدرته على التعلم السريع.
دورته التدريبية الأولى في معهد التدريب الإذاعي والتلفزيوني ببغداد كانت مفصلية، إذ أتاحت له التعرف إلى كبار الفنانين والمخرجين الذين أسهموا في وضعه على السكة المهنية الصحيحة. أسماء مثل حافظ الدروبي وسعد لبيب وخليل شوقي كانت تمثل بالنسبة له مدارس متعددة، وقد تعلم من الاحتكاك بهم أساليب مختلفة في التعامل مع النص والممثل والصورة.
البدايات المهنية وبصمة التجديد في الإخراج 
منذ أيامه الأولى في وحدة المنوعات والدراما، عُرف عماد بهجت بأنه مخرج شغوف بالتجريب والابتكار.. خلال خمسة أشهر فقط من عمله كمساعد مخرج، تعاون مع أسماء كبيرة مثل خليل شوقي وإبراهيم عبد الجليل وغيرهما، ليكسب الخبرة العملية المباشرة في بيئة إنتاجية ذات معايير عالية.
لكن ما رسّخ اسمه بين زملائه كان جرأته الفنية. ففي عمله أبو علي البناء، وكذلك في إحدى التمثيليات المبكرة، كان عماد أول مخرج عراقي يقدم تقنية ظهور شخصيتين يؤديهما ممثل واحد في المشهد ذاته، وهو ما يشبه ما يُعرف سينمائياً بتقنية الكروما أو التصوير المكرر. آنذاك كانت الأدوات المتوفرة بسيطة، ولكن قدرة عماد على تجاوز الإمكانيات المحدودة جعلته يقود التجربة بذكاء بصري وحلول تقنية مبتكرة، فحقق تقدماً نوعياً في أسلوب السرد البصري.
تجلت بصمته الإخراجية في حرصه على الإيقاع الهادئ المدروس، وفي اهتمامه بالتفاصيل الدقيقة للصورة والإضاءة والانتقال بين اللقطات، وهو ما جعل أعماله تحمل هوية خاصة حتى قبل أن يظهر اسمه على الشاشة. هذا الأسلوب المتقن مكّنه من الانتقال بسهولة بين أنواع فنية مختلفة، من الدراما الاجتماعية إلى الأعمال الكوميدية الخفيفة، ومن السهرات المنوعة إلى الفلكلور الشعبي.
أعمال درامية ومنوعات شكلت ذاكرة جيل كامل
خلال أكثر من ثلاثين عاماً في دائرة الإذاعة والتلفزيون، تراكم رصيد كبير لعماد بهجت جعله واحداً من أعمدة الصناعة التلفزيونية في العراق. من أبرز التمثيليات التي أخرجها في بداياته أعمال مثل البيتونة، وخطأ بسيط جداً، وسائق التاكسي، ومعمل من بلادي، وأبو علي البنا، ورشيد، والصيحة، وغيرها من الأعمال التي بقيت جزءاً من ذاكرة المشاهد العراقي.
أما في مجال السلاسل الدرامية، فقد قدّم أعمالاً مهمة مثل المزرعة باللغة الكردية وجتي باللغة التركمانية، وهو ما يؤكد قدرته على توظيف المعرفة اللغوية والثقافية لإنتاج أعمال تُخاطب شرائح متعددة من الجمهور. كما قدم سلسلة نفحات من الإيمان ونفحات من نور، وهما عملان دينيان امتدا لثلاثين حلقة لكل منهما، قدما بأسلوب بصري هادئ وبخطاب روحاني بعيد عن الأسلوب الوعظي المباشر، مما ساهم في نجاحهما.
وفي مجال الثقافة والمنوعات، تألق في برامج مثل الأنسة فواكه، وأكل وشرب على مائدة القرآن الكريم، ووجهة نظر، والهروب من الماضي، وصولاً إلى الأعمال التاريخية مثل مسلسل عمر بن أبي ربيعة.
لكن السر الحقيقي لشهرة عماد على نطاق عربي كان في سهراته التلفزيونية. فقد أخرج أعمالاً احترافية مثل زوجتي تحلم كثيراً، وأنا والمنوعات، ورسالة جحا التي فازت بجائزة في مهرجان الخليج. كما قدم سلسلة بغداد والشعراء والصور التي تناولت أهم القصائد التي كتبت عن العاصمة العراقية، في مزيج بين الشعر والصورة والموسيقى.
وبرنامج عراق اليوم كان من أهم محطاته، لأنه حوّل الإنجاز العراقي في تلك الفترة إلى مادة بصرية موجهة للمحطات العربية والأجنبية، بأسلوب يمزج بين التحقيق الوثائقي والبرنامج المنوع، وهو أسلوب لم يكن سائداً حينها.
محطة قناة الجزيرة ورحلة الاحتراف العربي 
شكل انتقال عماد بهجت إلى قناة الجزيرة محطة مهمة في حياته المهنية. في منتصف التسعينيات، حين كان مديراً مفوضاً لشركة الحضر للإنتاج التلفزيوني، جرى الاتصال به من قبل محمد جاسم مدير القناة آنذاك، بعد أن شاهده في مهرجان خليجي كان عضواً في لجنة تحكيمه. ورغم انشغاله في تصوير مسلسل كبير حينها، لبّى الدعوة لاحقاً ليبدأ مرحلة جديدة من حياته الإعلامية.
ستة عشر عاماً قضاها في الجزيرة كانت كافية لإعادة تشكيل تجربته المهنية على مستوى إدارة العمل التلفزيوني في مؤسسة ضخمة ذات تأثير عالمي. عمل مخرجاً ورئيساً لقسم الإخراج ومدرباً للمواهب الشابة، وشارك في تطوير أساليب بصرية أصبحت لاحقاً جزءاً من هوية القناة.
إلا أن التحول الأكبر في حياته وقع حين حصل على إقامة في كندا عام 2011، ما جعله يقدم استقالته كي يلتحق بأسرته هناك. رفضت الجزيرة الاستقالة مرتين، تقديراً لقيمته المهنية، لكنه اضطر في النهاية إلى ترك العمل عام 2013 بشكل نهائي. هذه الخطوة كانت بداية مرحلة جديدة من الاستقرار العائلي والفكري بالنسبة له.
الحياة الشخصية وشراكة الفن مع سيتا هاكوبيان
يعرف الجمهور العراقي أن عماد بهجت هو زوج الفنانة الكبيرة سيتا هاكوبيان، الصوت الرومانسي الذي دخل القلوب في سبعينيات القرن الماضي. بدأت العلاقة بينهما بشكل مهني بحت حين كان يقوم بإخراج عدد من أغانيها، لكن العمل المتكرر جعلهما يقتربان إنسانياً، ليتحول هذا القرب إلى علاقة حب ثم زواج، استمر لعقود وما يزال يشكل مثالاً للاستقرار العائلي.
سيتا، التي أطلق عليها الجمهور لقب فيروز العراق، كانت صاحبة حضور قوي في الساحة الفنية بأغاني مثل زغيرة جنت وانت زغيرون وغيرها. هذا الاندماج بين صوتها وصورته الإخراجية جعل أعمالهما مشتركة تحمل طابعاً خاصاً. واليوم تعيش الأسرة في كندا، وبناتهما تواصلان الطريق نفسه، فإحداهما تعمل في الغناء والأخرى في الإخراج التلفزيوني.
عماد، رغم الاستقرار في الخارج، لا يخفي أمنية واحدة تراوده دائماً، وهي أن يعود إلى العراق ليقدم خبرته للأجيال الجديدة من المخرجين الشباب، ويشاركهم أصول المهنة وقواعدها الحقيقية، آملاً أن يستعيد الوطن أمنه واستقراره.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير