
كان مقهى البرازيلية في بغداد أكثر من مجرد مكان تُقدَّم فيه القهوة؛ كان مساحةً تتقاطع فيها الأزمنة، وتذوب الحدود بين الماضي والحاضر، فيتحول إلى ذاكرة حيّة تحفظ ملامح مدينة بكاملها. يقع هذا المقهى في قلب بغداد، حيث اعتاد المثقفون والكتّاب والصحفيون والطلبة وروّاد الفن أن يتخذوا منه محطة يومية للقاءات، وتبادل الأفكار، وقراءة الصحف، ومناقشة أحوال البلاد. ورغم بساطة موقعه وديكوراته، فإنه حمل روحًا تتجاوز الشكل، روحًا كوّنت هوية خاصة ظلت راسخة في الذاكرة الجمعية للمدينة.
في “البرازيلية” كانت الأحاديث تبدأ همسًا ثم تتحول إلى نقاشات حامية، وكان الجميع يشعر بأنهم جزء من مشهد ثقافي يعيد تشكيل الوعي البغدادي. كثير من الأفكار وُلدت على طاولاته، وكثير من الأسماء اللامعة مرّت عبر بابه الخشبي، تركت كلماتها فوق الدخان المتصاعد، وغادرت لكن أثرها ظلّ معلّقًا في الهواء. حتى الزبائن العاديون كانوا يجدون في المقهى مساحةً للاطمئنان، واستراحة من صخب المدينة، وكأن فيه عزفًا خفيًّا يمنحهم شعورًا بالانتماء.
ومع تغير الزمن وتقلّب الظروف التي مرّت بها بغداد، بقي مقهى البرازيلية شاهدًا على التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية. وعلى الرغم من كل ما فقدته المدينة، ظلّ المكان محتفظًا بروحه الأولى، يوزّع القهوة مع جرعة من الذكريات، ويستقبل الداخلين إليه وكأنهم يعودون إلى بيتهم القديم. إن ذاكرة مقهى البرازيلية ليست ذاكرة مكان فقط، بل ذاكرة مدينة كاملة؛ ذاكرة وجوه رحلت، وأحاديث انطفأت، وأحلام ما زالت معلّقة عند طاولة تنتظر من يكمل الحكاية.