رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
بارك التحرير .. ذاكرة وطن


المشاهدات 1079
تاريخ الإضافة 2025/11/30 - 8:57 PM
آخر تحديث 2025/12/01 - 1:29 AM

لا تبدو حديقة « بارك التحرير» في سراييفو، للوهلة الأولى، أكثر من مساحة خضراء صغيرة تتوسط طريقاً تجارياً حيوياً بين باشجارشيا القديمة والشارع العصري المؤدي إلى مركز المدينة. غير أن التجول بين ممراتها يكشف سريعاً عن كونها متحفاً مفتوحاً للذاكرة البوسنية، تحتشد فيه تماثيل نصفية لشخصيات صنعت ملامح الثقافة والفن والسياسة في البوسنة والهرسك. هنا، في هذه الرقعة المحدودة، يقف الأدباء والفنانون والمناضلون كتفاً إلى كتف، كأنهم يستعيدون لزوار المدينة حكاية وطنٍ تشكّل بين الحرب والسلم، وبين الشرق والغرب، وفي قلبه سراييفو التي لا تنطفئ. إنها متحف زمني مفتوح، يوثّق  - بتماثيل برونزية نصفية - أدباء البوسنة وفناني الحداثة وشعراء المقاومة الذين صاغوا الهوية البوسنية عبر تاريخ دموي متعدد الصفحات. كانت ليلتي الأخيرة في سراييفو، بعد أن تغيرت مواعيد السفر بفعل تصاعد العمليات الحربية بين ايران والكيان الإسرائيلي، وإغلاق أجواء بعض دول المنطقة، ومنها العراق، وإلغاء الرحلات الجوية المقررة سابقاً، ومنها رحلة الخطوط الجوية التركية التي كنتُ قد حجزت فيها ذهاباً واياباً من بغداد إلى سراييفو مروراً بمطار إسطنبول. اقترحتُ على رفيق رحلتي أيمن أن يترك سيارته في أحد المواقف ثم نتجول مشياً وصولاً إلى السوق القديمة باشجارشيا، لتناول وجبة العشاء الأخير حيث تكثر فيها مطاعم الكباب على الطريقة البوسنية. وفي الطريق، ونحن نقترب من بارك التحرير، لم يخطر ببالي مطلقاً أنّ القدر يرسم لي في تلك الليلة مفاجأة جميلة لم تكن ضمن خطة الرحلة. يقع البارك على مساحة خضراء بمحاذاة نهر ميلجاكا، وسميت بذلك تيمناً بتحرير سراييفو بعد الحرب العالمية الثانية من قبضة الاحتلال النازي، إثر معارك شوارع ضارية خاضها المقاومون في جيش التحرير الوطني، الذين تمكنوا من طرد القوات الألمانية وعملائها من المدينة في السادس من نيسان/ أبريل عام 1945. 
تجولنا في الحديقة بين النصب التذكارية، ومنها تماثيل نصفية لعدد من الشعراء والروائيين، أبرزهم برانكو تشوبيتش، أحد أشهر كتّاب يوغوسلافيا، روائي وقاص عُرف بأسلوبه الساخر والإنساني وبقصصه للأطفال التي أحبها جيل يوغوسلافيا بأكمله، وسكيندر كولنوفيتش، شاعر الأمومة والفقد، ومن أبرز شعراء المقاومة في الحرب العالمية الثانية، وإسحق ساموكوفليا، الطبيب والروائي، وأحد أهم رواد القصة البوسنية، وماك ديزدار شاعر البوسنة الأشهر وصاحب كتاب «بوغوميلي».  كذلك صادفنا تمثال حسن كاييمي، الشاعر العثماني– البوسني الذي ترك بصمته في الأدب الصوفي والديني. وكان جسراً آخر بين الشرق والبلقان، وتجسيداً لعمق الإرث العثماني في الذاكرة البوسنية. وفي وسط البارك نصب تذكاري يرمز إلى الحرية والسلام والتطلع نحو مستقبل جديد، أقيم تكريماً لشباب سراييفو الذين فقدوا حياتهم في الحرب. وعلى الجانب الآخر، نصب أقيم في المكان نفسه الذي اصطف فيه أول لواء شرطة في سراييفو عام 1992، وقد نقشت على اللوحة الكبيرة أسفل النصب أسماء شهداء ذلك اللواء.
وبينما كنتُ أتأمل التماثيل النصفية محاولاً تهجي الأسماء، جاءت المفاجأة التي قادتني – بعد نحو نصف ساعة - إلى مغادرة سراييفو باتجاه مدينة فيشغراد، حين وقعتُ على تمثال يحمل اسم الروائي العالمي إيفو أندريتش « 1892–1975»، الحاصل على جائزة نوبل للآداب 1961، وصاحب الرواية الأشهر «جسر على نهر درينا». 


تابعنا على
تصميم وتطوير