رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الرائدة مديحة وجدي سنوات من العطاء مع المسرح والسينما


المشاهدات 1169
تاريخ الإضافة 2025/11/29 - 9:05 PM
آخر تحديث 2025/12/01 - 1:29 AM

مديحة وجدي ممثلة عراقية رائدة من مواليد 1932 تمتلك تاريخا في سجل الحركة المسرحية والسينمائية والتلفزيونية العراقية المعاصرة  ... وإذ نقف واليوم ونحن نستذكر الممثلة العراقية الرائدة مديحة وجدي 1932-1993 ، نقول انها كانت ممثلة بارعة ملتزمة ، محترفة لها عدد من الاعمال السينمائية منها (درب الحرب) 1966 و (طريق الشر) ، و (اسعد الايام) ، و (ذكريات ) ،  و(العائلة البائسة) ، و (الزورق) و (يوم آخر) .
 كذلك قدمت بالثمانينات فيلم(وجهان في الصورة)، ومن الأعمال التلفزيونية التي مثلتها: (حامض حلو) وتمثيلية (النادل الظريف)، وكذلك قدّمت عددا من المسرحيات ولعلنا بحاجة الى متابعة كل ما قدمت من خلال رصد هذه الافلام والتمثيليات والمسلسلات والمسرحيات .لكن للأسف  وجدنا عنها مادة مختصرة تؤكد على «انها فنانة قديرة» ومن أجل أن نستنهض هذه الحركة ونعيدها الى القها وبهائها السابق ، لابد ان نقف عند الجذور ، والرموز ، والنشأة ، وتأسيس الحركة السينمائية والمسرحية ، والتلفزيونية العراقية المعاصرة .
ومما يجب ان يذكر ان للفنانة مديحة وجدي حضورا في المسرح من خلال مشاركتها في اعمال الفرقة القومية للتمثيل وهي الفرقة المركزية التي احتضنت موهبتها مبكرا قبل الفرق المسرحية الاهلية ، فشاركت في مسرحيات : حال الدنيا ، الناس اجناس ، إشاعة ، فكان حضور الفنانة مديحة وهي الفنانة الموهبة التي لم تتخرج من أكاديميات المسرح بالعراق يؤشر على انها لم تأتي الى فرقة كبيرة وعريقة من فراغ بل لديها مؤشر على ان موهتيها اتاحت لها ان تنظم مع مخرجين كبار مثل إبراهيم جلال ومحسن العزاوي ومع ممثلين كبار أيضا مثل طعمة التميمي، وسامي قفطان وقاسم الملاك ،وغيرهم .
وحين نريد تحديد من هي المرأة الأولى التي صعدت على خشبة المسرح العراقي خلال القرن الماضي أو خلال القرن الذي سبقه ، يصعب علينا ، فالمجتمع الرجولي وتقاليده لم يكن تسمح في ذلك الوقت بفتح المدارس الخاصة بتعليم البنات ، فكيف تسمح لها بصعود خشبة المسرح المرفوض أصلا كفن منذ بدايات دخوله حتى على ممارسة الرجال له .
المعروف انه عند تأسيس الملاهي الليلية في بغداد وبعض المقاهي فيها التي أقدمت على تقديم الطرب والرقص في ذلك الحين، كانت السباقة في تقديم المرأة المهمشة اجتماعيا على المسرح ، كانت البدايات جلب هذه النساء من حلب ولبنان من غير المسلمات للعمل كمغنيات وراقصات ، وعندما تأسس المسرح العراقي في باحات المدارس ، قام الذكور بأداء ادوار النساء كتعويض عن هذا النقص، واستمر أداء الرجال لأدوار النساء كتقليد في المسرح العراقي حتى الخمسينات ، دون أن يشكل حرجا إضافيا للممثل آنذاك في أن يؤدي هذه الأدوار على الحرج الاجتماعي الذي فيه كونه ممثل أصلا .
إلى جانب زوجة يحيى فائق ( في الفرقة العربية للتمثيل ) وسلمى عبد الأحد أخت عازف الطبلة الشهير سامي عبدا لاحد، صعدت أيضا ( في الفرقة الشعبية للتمثيل ) ماجدة عبد القادر زوجة جعفر السعدي على المسرح بدفع وتشجيع من أزواجهن.
وكثيرا ما كان يجري إقناع بعض العناصر النسائية للعمل في المسرح آنذاك ، وعددهن لم يكن قليلا من الراغبات ، لكنهن لا يواصلن إلى النهاية ، فينقطعن بمجرد الزواج ، أو بسبب تعرضهن لتهديدات جدية تصل إلى حد التهديد بالقتل تصدر عن عائلاتهم وأقاربهم من الدرجة الثانية ، وحتى العشيرة ، او تعرضهن لتهديد فسخ الخطوبة لبعض من كن مخطوبات وعلى وشك الزواج ، وكثيرا ما تحرج الفرقة بانسحاب مفاجئ للممثلة من العمل بسبب هذه الضغوط قبل يوم من تقديم العمل فتضطر الفرقة إلى التأجيل أو إلغاء العرض المقرر .وكانت عوامل تثبيط جراء التقاليد الاجتماعية القبلية التي كانت تتحكم في توجهات المرأة الشخصية وحريتها بشكل مطلق.
تقول الفنانة الرائدة مديحة وجدي التي كانت كغيرها ممن عانت من تلك الأوضاع القسرية فذكرت في اخر حوار معها: الفن رضخ مثلما رضخت كل مفاصل الحياة للتغيرات السياسية والاجتماعية وانعكاساتها الثقافية. والفنانات الشابات أمام محنة فنية حقيقية ضمن اسقاطات هدامة لأحلامهن في اعتلاء خشبة المسرح، أنا شخصيا كفنانة عانيت من اختلال كبير حتى على مستوى حياتي الشخصية، إذ فوجئت بتحرج أخواتي مني وخوفهن على زعزعة وضعهن الاجتماعي بسبب كوني ممثلة، كما ان تسيد التيارات المتشددة ومناداة فصل الذكور عن الاناث والكثير من التقييدات!! وهذه أكبر كارثة كنا نعاني منها في المسرح العراقي. ان أزمتنا مع الطاقات النسائية الشابة الان لتكمل المسيرة على خشبة المسرح كبيرة، ولكنها مرهونة بسلسلة إصلاحات حقيقية، تبدأ من الحكومة إلى أصغر مفصل حياتي، لنستطيع النهوض برفد روح مسرحنا…
أن ظاهرة منع المرأة من صعود المسرح ليس جديدا في العالم ، فالمسرح أرسى في بداياته منذ الإغريق الذي لا يعترف اجتماعيا بدور هام وكبير للمرأة في الحياة الاجتماعية والعامة التي كانت عبودية الطابع ، بدأ عندهم تقليد صعود الرجال المسرح منتحلين دور المرأة ، واستمر هذا التقليد في المسرح الروماني الذي انحط من مؤديه طبقة الشعراء العظام في اليونان إلى العبيد حصرا لصعود المسرح في روما.
في العراق ويمكن ان نضع ذلك خلال صعود وبروز الفنانة مديحة وجدي نستطيع أن نقسم فترة علاقة المرأة بالمسرح في العراق إلى فترتين ، هي كل تاريخ قدوم وتجذر وانتشار المسرح:
الفترة الأولى تمتد منذ أن عرفنا المسرح في نهايات القرن التاسع عشر وحتى منتصف الخمسينيات ، والذي يمكن لنا أن نسميه بالمسرح الرجالي ، لتفرد الرجال وحدهم بالعمل فيه تقريبا .
والفترة الثانية منذ منتصف الخمسينيات وحتى وقتنا الحاضر . الذي شهد صعود الرعيل الأول من النساء من البيوت والعوائل لخشبة المسرح وكسرهن بجرأة الحواجز والموانع الاجتماعية التي كانت قائمه وراسخة، مضحيات بوضعهن الاجتماعي ، وهذا بحد ذاته كان كبيرا وخطيرا في ذلك الوقت وهن يخرقن التقاليد البالية في هذا المجال بالذات، وتحملن تبعات ذلك بإصرار وصبر وتركن الباب من بعدهن مشرعا لتدفق النساء على صعود المسرح .
في الفترة الأولى ،عند نهاية العشرينيات وما بعد الثلاثينيات ، احتدم الصراع بين المتنورين من المثقفين المناصرين لسفور النساء على رأسهم الزهاوي من جهة ، وبين المتزمتين المدافعين عن الحجاب وهم كثر من جهة أخرى .
حدث حراك في المجتمع العراقي آنذاك ، وظهرت نزعة نحو التحديث الجريء في العلاقات الاجتماعية ، والانطلاق لمسايرة ركب الدول المجاورة التي سارت بعنف في درب التطور الاجتماعي، بالتالي نتاج طبيعة التفاعلات الداخلية ومع الخارج التي رافقت سياسيا عملية الانفصال والتحرر من النير العثماني وتأسيس وتوطيد الدولة العراقية الحديثة عام 1920 ،
ان هذا الحراك التقدمي في بنية المجتمع العراقي الذي تبدى في أشكال مختلفة آنذاك ، دشن بداية النزعة نحو العصرنة والتحديث ، وبروز روح التحدي لإزالة التقاليد الاجتماعية المعرقلة ، وهي التي صنعت للمسرح العراقي عصر عزه الذهبي في الثلاثينيات والتي في تقديري لم ينتبه إليها احد لحد الآن .
فإلى جانب الرجل الذي واصل انتحال دور المرأة على المسرح إلى أواخر الخمسينيات ، كان مسرح جعفر لقلق زاده يقدم ليليا نمره المسرحية بمعية ( الممثلات الارتيست ) ، وهي تسمية لفنانات الملاهي ( أكثريتهن راقصات ومغنيات ) من العراق أو بلدان عربية مختلفة لبنان والشام بشكل خاص ، جلبن للعمل في الملاهي وفق شروط
أن كبار رواد المسرح الأوائل من الرجال ، سبق وان قاموا بأداء أدوار المرأة على المسرح بدون حرج تحت وطأة الحاجة الماسة لملء الفراغ التام في المسرح من المرأة ، بدءا من حقي الشبلي مرورا بأسعد عبد الرزاق وبدري حسون فريد وآخرين وصولا إلى عبد الجبار عباس الذي اشتهر بأدائه لدور ( أم علي ) في الخمسينيات ، وسمير القاضي حتى وقت متأخر. من أعوام الستينيات من الرائدات في المسرح العراقي الأوائل في الأربعينيات حتى الخمسينيات ، مديحه سعيد ، وليلى العبيدي وسلمى عبدالحميد ، والمحامية نظيمة وهبي، والطبيبة فوزية القطان.
وعندما تشكلت الفرق المسرحية الشهيرة في العشرينيات، جرت الاستعانة بالمطربات الشهيرات لأداء الأدوار النسائية ، وهذا كان الحال حتى في بدايات السينما العراقية (عليا وعصام ) أذ أستعين بالفنانة المطربة عزيمة توفيق وسليمة مراد ببطولة الأدوار النسائية ، وكذلك الفنانة الرائدة مديحة وجدي لتشارك بفيلم استعراضي غنائي بعنوان «درب الحب» وهو اول فيلم يقوم ببطولته الموسيقار والملحن فاروق هلال، وهو أحد فلمين مثلهما فاروق هلال مع فيلم «مع الفجر» عرض الفيلم في العام 1964 وجسد خلاله مجموعة من المواقف علاقة حب تتخللها وصلات غنائية.
عند محاولة استرجاع تاريخ السينما العراقية، نجد أنفسنا أمام إرث فني طويل يمتد لعقود، يبرز كيف استطاعت السينما أن تكون أداة للقوة الناعمة والثقافة في المجتمع العراقي.وتحتضن الطاقات في مجال التمثيل وربما الانتقال من المسرح اليها نتيجة ان المسرح يحتاج الى جهد وتكرار في العروض اليومية . فكان العراق منذ عام 1909 يعرض الأفلام الصامتة، في مدنه الكبرى، على غرار ما كان يحدث في مصر، قبل أن ينتج أول أفلامه المحلية.
هذه البدايات المبكرة تؤكد أن السينما العراقية كانت حاضرة في المشهد الفني العربي قبل كثير من الدول، رغم التحديات الاجتماعية والتقنية في تلك الحقبة.
وعلى الرغم من اعتماد دور العرض العراقية في تلك الفترة على الأفلام الأجنبية الصامتة، ومن أبرزها أعمال شارلي شابلن، إلا أن السينما المصرية بدأت تدخل المشهد العراقي منذ عام 1927، لتفتح أبوابا جديدة للتبادل الفني بين البلدين.
ومن أبرز محطات هذه العلاقات السينمائية المشتركة، كان فيلم “القاهرة بغداد“، الذي خرج إلى النور في الأربعينيات من القرن الماضي.أخرجه المخرج المصري الشهير أحمد بدرخان، وشارك في بطولته مجموعة من نجوم السينما المصرية مثل بشارة واكيم، نورهان، ومديحة يسري، إلى جانب فنانين عراقيين بارزين من بينهم عزيز علي، حضيري أبو عزيز، وعادل عبدالوهاب.
حيث سعت السينما العراقية إلى التفاعل مع الإنتاج العربي والأجنبي على حد سواء، ونجحت في بناء جمهور واعٍ، متحمس للفن السينمائي، مما جعل تاريخ السينما العراقية غنيا بالذكريات والإنجازات، ويشكل حجر الأساس لمسيرة سينمائية مستمرة في العراق حتى يومنا هذا.
ومما يذكر ان البث التلفزيوني العراقي بدأ صيف العام 1957 ويعد أول بث تلفزيوني عربي، وهو ما ساهم في نهوض الدراما العراقية في عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي.  ومع ان الدراما العراقية قدمت المرأة بصورة نمطية، امرأة ملتزمة بخدمة المنزل وبعادات وتقاليد المجتمع امرأة متكلة على الرجل خاضعة وتابعة له. لذلك يقسم النقاد الإنتاج التلفزيوني العراقي لجزئين الحلول الترقيعية والحلول المباشرة في التصدي الاجتماعي الثقافي العلمي في معالجة كثير من سلبياته ،  مع العلم أن الدراسات التي تناولت المرأة العراقية في وسائل الثقافة والفن قليلة مقارنة بالدول العربية الأخرى.   
دخلت المرأة من مختلف القوميات والديانات التي يتميز بها النسيج العراقي إلى الساحة الفنية، أي أن المشاركة لم تقتصر على المكون العربي، منهن من جمعن بين التلفزيون والسينما والمسرح، وهنا شريحة من الأسماء التي أسست للفن العراقي فهن على سبيل المثال لا الحصر، كلاً من الفنانة الكردية آسيا كمال (1961) التي دخلت مجال التمثيل عن طريق تأثرها بالوسط الفني الذي كانت تعمل فيه والدتها كـ «ماكيير». قدمت عدة مسرحيات، قبل أن تدخل التلفزيون في عام 1979 من خلال سباعية «الغائب يعود»، ثم توالت أعمالها الفنية، وقدمت أدواراً في السينما أيضاً كان آخرها عام 2020 وهو فيلم بعنوان «إلى بغداد» وهو أول عمل سينمائي عراقي منذ عام 2003.
من المكون التركماني اشتهرت الفنانة أمل سنان (1966) وعرفت بدورها في مسلسل يتيم بعنوان «نادية» عرض عام 1988، واعتبرت الأولى في عدة مجالات فهي أول عراقية تجمع بين عرض الأزياء والتمثيل، وأول امرأة من مدينة كركوك تحصل على جائزة أفضل ممثلة في العراق، وأول فتاة تركمانية تشارك في بطولة فيلم سينمائي وكان بعنوان «ستة على ستة» في عام 1988. لكن ومع ذلك قررت الاعتزال في عام 1989.
سعدية الزيدي (1939) شاركت في معظم الأفلام العراقية، وكتبت الشعر قبل ذلك، من أشهر الأعمال التي قدمتها والتي ما تزال في الذاكرة المسلسل الإذاعي «غيده وحمد» الذي أذيع في ستينيات القرن الماضي، وقدمت أغانيه الفنانة وحيدة خليل من المكون الأرمني اشتهرت الفنانة ازادوهي صاموئيل (1942) وتعد من رواد المسرح العراقي منذ عام 1954، حيث إنها أول امرأة تدخل معهد الفنون الجميلة في قسم الفنون المسرحية ولها رصيد كبير من الأعمال المسرحية. 
فوزية الشندي (1942) هي ثاني امرأة تتخرج من معهد الفنون الجميلة قسم الفنون المسرحية عام 1964 وأول طالبة تتخرج من أكاديمية الفنون الجميلة وتحصل على البكالوريوس والماجستير في فن الإخراج المسرحي.
في السنوات الأخيرة عادت عجلة الدراما العراقية للدوران، لكنها تعرضت للنقد بسبب الطابع الكوميدي الذي غلب على معظم الأعمال واتهمها البعض بأنها غير منضبطة وتستهدف فئات من المجتمع، من جهة أخرى تعاني الدراما العراقية من السيطرة الطائفية والعشائرية عليها مما يجبر القائمين على الأعمال الدرامية الابتعاد عن مناقشة الكثير من القضايا باعتبارها تابوهات لا يجوز الاقتراب منها، ومنها مناقشة قضايا المرأة في المجتمع. أخيرا، فان الغريب في الامر مثلما كانت حياتها الفنية فان المسجل والمتداول انها توفيت في بغداد بتاريخ 6 يونيو 1993، لكن بعض المصادر تقول انها لازالت تنعم بالحياة في مهجرها بالسويد برفقة ولدها الذي يعيش من سنوات هنا، لكن من المؤكد ان الفنانة الرائدة مديحة وجدي قد عانت من الإهمال من الحكومة وعدم الانتباه لحالتها الصحية المتدهورة خلال النظام السابق ..ومهما يكن فأننا ندعو لها بالصحة طيلة العمر ، والرحمة والمغفرة اذا صدقت الانباء في خبر رحيلها، فهي فنانة عنيدة وقفت بوجه التيارات المعارضة للتمثيل والمسرح .


تابعنا على
تصميم وتطوير