
تؤشر التطورات المتلاحقة ما ظهر منها وما خفي، وقد يكون أعظم، أن تسوية ما تطبخ على نار هادئة لوقف النزاع المسلح بين روسيا وأوكرانيا الذي عمّر أكثر من ثلاث سنوات، دون أن يبدو أي أفق لإنهائه .
وتشير المعطيات المحيطة بمرحلة التسوية الخافتة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مصر هذه المرة أيضا، على الانفراد بقيادة هذه المرحلة دون إشراك باقي الدول التي انقادت وراء الولايات المتحدة الأمريكية في معركة كسر العظام بين دول الحلف الأطلسي وروسيا، في إطار صراع عنيف حول السيطرة على مناطق النفوذ في العالم، بما يعكس تجاذبا قويا بين القوى العظمى نحو الهيمنة على النظام العالمي .
وإن لم تتضح أية مؤشرات حول خلافات حادة آخذة في التصاعد بين حلفاء الأمس واليوم في الحرب الروسية الأوكرانية، فإن ما صرح به مصدر روسي رفيع المستوى حينما أكد أن دولا أوروبية تعيق جهود الولايات المتحدة الأمريكية الهادفة إلى تحقيق تسوية نهائية للحرب الروسية الأوكرانية، يؤكد أن حكومات الدول الأوروبية التي انصاغت وراء توجه الولايات المتحدة الأمريكية نحو انتهاز فرصة الحرب لتكسير أنياب الذب الروسي، وتطوعت بتوفير ما تحتاجه النيران الملتهبة في الحرب من تمويلات طائلة ومعدات هائلة وجهود دبلوماسية ضخمة وتعبئة شاملة للرأي العام الأوروبي بما تطلب ذلك من تطويع لوسائل الإعلام، وجدت نفسها اليوم خارج دائرة التعامل مع التطورات، وأنها لم تعد شريكا استراتيجيا للإدارة الأمريكية التي كانت الجهة التي وفرت حطب هذه النيران الملتهبة، ووجدت كثير من الدول الأوروبية نفسها تابعة وموالية إلى قدرة القرار الأمريكي لتدبير محطة فاصلة في تاريخ العلاقات الدولية المعاصرة، ولم يكن أمام التلميذ غير الانصياع وراء ما يقرره الأستاذ.هذه اللحظة بكل هذه المعطيات الوازنة تمثل اختبارا حقيقيا آخر للدول الأوروبية في قياس منسوب استقلاليتها وتملكها لقرارها السياسي في مواجهة التغول الأمريكي الذي تعامل مع الدول الغربية بمنهجية التبعية وبثقافة الموالاة.
ويصعب تقدير ما إذا كانت الدول الأوروبية قادرة على استغلال هذه الفرصة الكبيرة التي أتاحتها لها الإدارة الأمريكية بعدما تنكرت لها، واستفردت بالمفاوضات السرية مع موسكو لضمان تسوية نهائية للحرب الملتهبة بين روسيا وأوكرانيا؟ لكن العناصر الأولية المتعلقة بصياغة جواب واضح على هذا التساؤل الكبير تؤشر على استبعاد فرضية إقدام الدول الأوروبية على أي شكل من أشكال التمرد، وأنها قد تقنع في هذا الصدد بإبداء منسوب متوسط من الغضب تجاه حليفتها الاستراتيجية، لأن عمق وقوة هذا التحالف واعتبار موازين القوى في العلاقات الدولية الراهنة لا تسمح لحكومات دول القارة العجوز بتجاوز هذا السقف.ومن الواضح في ضوء كل ذلك أن الإدارة الأمريكية ستواصل مساعيها وجهودها في إدارة ملفات أكثر النزاعات حدة في العالم بما يدعم خدمة مصالحها الاستراتيجية ويكرس بسطها لنفوذ فردي، في حين تواصل الدول الأوروبية القيام بأدوار ثانوية تكرس وضعية التبعية والموالاة مع إبداء قليل من الغضب بعض المرات لتهدئة الرأي العام الداخلي.أوروبا لم تعد بالقوة التي كانت عليها في الماضي، وها هي تواصل السير في مسار تنازلي يصعّب سياساتها الخارجية ويحولها إلى مجرد (كومبارس).