رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
بين تفاهة الشر وحكمة التأليف


المشاهدات 1592
تاريخ الإضافة 2025/08/24 - 10:15 PM
آخر تحديث 2026/03/11 - 1:34 AM

الشر في هذا العالم ليس منظومة جامدة، بل قوة قادرة على استثمار الفراغ الإنساني والتشتت النفسي، لتحويل أناس عاديين إلى قتلة أو منفذين طيعين لآلات شمولية. أنظمة قمعية عبر التاريخ استطاعت أن تنتزع من الإنسان روحه، لتجعله مجرد ترس في ماكينة إدارية أو عسكرية، تسلبه إنسانيته وتعيد تشكيله أداة باردة.
المفكرون وصفوا ذلك بـ”تفاهة الشر”، لكنه في الواقع ليس ساذجاً، بل ذكي في قدرته على كسب الأتباع. لا يحتاج إلى مؤمنين به، بل إلى ضائعين يبحثون عن معنى، فيعيد تشكيلهم وحشد غرائزهم، حتى يتحولوا إلى ضباع تنهش بلا رحمة.
هنا يبرز البعد الديني والأخلاقي الذي علّمنا إياه الإسلام. فالقرآن حين تحدث عن قوة المؤمنين جاء بآية واضحة: إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾، تأكيداً على دور الصفوة المخلصة. لكن النبي ﷺ لم يغفل أيضاً عن أولئك “المؤلفة قلوبهم”. لم يكن الأمر شراءً للذمم كما قد يتبادر إلى الأذهان، بل كان استراتيجية ذكية لتجنيب المجتمع خطر التحول إلى ساحات مفتوحة للشر. النبي حوّل الحائرين إلى شركاء محتملين في البناء، وأغلق الباب أمام أن يكونوا أدوات في يد العداء.
حتى قرار الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بوقف هذا النهج، جاء انسجاماً مع واقع جديد: فقد استقرت الدعوة وقويت القلوب، ولم يعد المجتمع بحاجة إلى هذا الأسلوب. وهذا يوضح أن “التأليف” كان أداة مرحلية مرنة، جوهرها حماية المجتمع، وليس تثبيتاً للضعف أو مقايضة على الإيمان.
اليوم، ونحن نواجه أنماطاً جديدة من “تفاهة الشر”، عبر الحروب النفسية والإعلامية، تبرز أمامنا الحكمة النبوية ذاتها. فكما يسعى الشر إلى استغلال التائهين والضائعين ليصنع منهم جيوشاً رقمية أو أدوات تحريض، فإن على الخطاب الديني والإعلامي أن يلتقط هذه الفئة، لا ليقصيها، بل ليؤلف قلوبها ويحول طاقتها.
إنها ليست دعوة لمساومة، بل لفهم عميق: كل شرير محتمل يمكن أن يكون مشروع إنسان صالح إذا وجد خطاباً يجذبه، ورسالة تحتضنه. وهنا الفرق بين إعلام يستسلم لضجيج الشر، وإعلام يستثمر في صناعة الأمل وتحصين القلوب.


تابعنا على
تصميم وتطوير