رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
حينما تدمر الديمقراطية الغربية نفسها من الداخل


المشاهدات 1369
تاريخ الإضافة 2024/05/18 - 8:36 PM
آخر تحديث 2024/06/23 - 6:21 PM

يبدو أن الأنظمة الديمقراطية في الكثير من الدول الغربية كانت في أمسّ الحاجة إلى امتحان حقيقي لاختبار مدى قوتها وصلابتها في مواجهة اللحظات الصعبة.. فكل هذه الأنظمة لم تفوت فرصة طوال حقب طويلة من الزمان للتسويق لمتانتها ولمصداقيتها، وقدمت نفسها مراجع حقيقية للتجارب الديمقراطية في العالم، ونصبت نفسها وصية على باقي التجارب الديموقراطية في مختلف أنحاء العالم، وسخرت في سبيل فرض ذلك منظمات حقوقية وحشدا هائلا من وسائل الإعلام الغربية التي لعبت دور حمالة الحطب في هذا التسويق السياسي المحض.. ووضعت مؤسساتها من برلماناتها وحكوماتها و منظماتها الحقوقية رهن إشارة هذا التسويق، حتى إذا لاحظت الدول الغربية تسجيل خرق بسيط في ممارسة حقوق الإنسان وفي الامتثال للممارسة الديموقراطية في إحدى الدول من خارج دائرتها، خصوصا في شمال أفريقيا و الشرق الأوسط، اجتمعت على وجه السرعة للتنديد و الاستنكار و للدعوة إلى فرض عقوبات اقتصادية و مالية صارمة .
إلا أن حرب الإبادة التي تقترفها قوات الاحتلال الصهيوني في غزة، و ما تسببت فيه من تقتيل مريع للمدنيين وتدمير الحياة و قطع الماء و الغذاء والهواء و الدواء، مثلت فعلا لحظة مناسبة لاختبار صدقية كل هذه المنظومة التي بدت متناسقة و منسجمة و متكاملة . 
دعنا نترك كل الانحياز المذل الذي اختارته الدول الغربية تجاه الإجرام الذي يقترف ضد الإنسانية ، ودعنا من امتثال الغالبية الساحقة من وسائل الإعلام الغربية لما يمليه عليها القادة السياسيون الغربيون في هذه الحرب القذرة، حيث تحولت هذه الوسائل إلى آليات حربية حقيقية لتنفيذ الإملاءات الغربية، فهذه حقائق أضحت  واضحة ولم تعد محل شك وارتياب. لكن ما كنا نعتقد أن تصل هشاشة الأنظمة الديموقراطية في الغرب إلى هذا المستوى من الجرأة في قمع الحريات داخل مجالها الترابي، للتصدي بالعنف المفرط داخل الفضاءات الجامعية الغربية التي مثلت على الدوام حضنا حقيقيا لممارسة الحريات، خصوصا حرية التعبير والاحتجاج ، واقتحام هذه الفضاءات بقوات الأمن مدججة بأدوات العنف ، بما في ذلك التهديد باستعمال  الأسلحة واعتقال آلاف الطلبة و ترهيب رؤساء الجامعات، لإسكات الأصوات المعارضة التي رفعها الطلبة  والأساتذة ضد الحرب . وما كان يخطر على بال أحد أن تداس حرمات الجامعات في أنظمة تدعي الديموقراطية لحظر أحد ركائز الممارسة الديموقراطية الحقيقية .
وهكذا، فإن احتجاجات الطلبة والأكاديميين في الدول الغربية التي عرضت نفسها على الدوام صمام أمان للديموقراطية وحقوق الإنسان، كشفت عن هشاشة كبيرة للتجارب الديموقراطية فيها ، اضطرت مسؤوليها لاستباحة حرمات الجامعات واستعمال العنف لإسكات الأصوات المختلفة والمعارضة، وأجبرت على إخراج تهمة معاداة السامية للاحتيال و المغالطة.
هكذا إذن ، فإن التجارب الديمقراطية الغربية التي فرضت نفسها مراجع خالدة للممارسة الديمقراطية، انهارت فجأة أمام مجموعات الضغط في الغرب، وأمام جشع المصالح الاقتصادية الإمبريالية هناك أيضا لتمتثل لجبروت الخطاب الأحادي ولهيمنة السردية الاستعمارية على الرأي العام العالمي . وبذلك ومن خلاله، اضطرت الأنظمة الديمقراطية الغربية، مجبرة هذه المرة و ليست مخيرة ، على تخريب نفسها من الداخل، و جردت نفسها من الشرعية التي اجتهدت لحقب طويلة من الزمان لإقناع شعوب العالم بها. وأكدت أن الديمقراطية التي تدعيها وتسخر لها الإمكانيات و الوسائل المالية والدبلوماسية و اللوجستية بهدف التسويق، ما هي في حقيقتها غير سلعة تجارية تروج لها وفق مسالك تسويق معينة ومحددة بدقة و حسب ما تقتضيه مصالحها الاقتصادية . 
فعلتها مرة أخرى الحركة الطلابية في الغرب، كما فعلتها في محطات تاريخية سابقة، حينما تقدمت الصفوف لمناهضة الاستعمار والاستعباد والإمبريالية المتوحشة، ونزعت بذلك القناع عن الوجه الحقيقي لديمقراطية الغرب التي لم تحتمل مجرد أصوات لأشخاص يناهضون الحرب.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير