رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
حرب غزة.. مصر في قلب القضية


المشاهدات 1670
تاريخ الإضافة 2024/04/29 - 9:30 PM
آخر تحديث 2024/05/22 - 1:44 PM


عضو مجلس الشيوخ المصري 
واهمٌ وذو نظرة قاصرة أو ذو ضمير مُغيّب ونيةٍ غير سوية، من لا يعي عامدًا، أن مصر هي الرقم “واحد” في معادلة الشرق والوطن العربي، ولسنا هنا ـ في الواقع ـ بحاجة إلى التدليل على هذه الحقيقة الأبدية، بقدر ما هو التذكير الذي تقتضيه اللحظة، وحتى تكون الأجيال المتتابعة على يقين وثقة وإيمان مستقر بقدر وقيمة وطنها وريادته، في جميع القضايا وجميع الملفات، مهما سعى المشوهون والمغرضون إلى إحداث اهتزاز في لوحة الشرف المُعلقة على جدار التاريخ.
ولما كان من حديث هناك وشائعات وبث للسموم، حول طبيعة الدور المصري تجاه الحرب في غزة، وتجاه قضية فلسطين بشكل عام، كان لابد من وقفة صارمة، تدعو المتابعين والمروجين والمتكلمين، إلى النظر بعين الوعي وقراءة التاريخ بأزمنته الماضية والحالية بالبصيرة وليس بالحنجورية، إذ أنه ليس هناك دولة في الوطن العربي بل وفي العالم، قد حملت على عاتقها القضية الفلسطينية بكل أبعادها وأحداثها، مثل مصر، داعمة ومساندة لها على مدار العقود، ليس فقط بحكم التاريخ والجغرافيا والعلاقات والدم والعروبة والترابط، ولكن يُضاف لذلك وربما من قبله، أنها قضية أمن قومي مصري بشكل مباشر، فعبر أكثر من نصف قرن، لم يتخاذل أو يتراجع دور مصر شعبًا وحكومة في دعم ومساندة القضية الفلسطينية، في موقف تاريخي واضح لم يخضع في أي مرحلة لأي حسابات، غير حسابات الحق المشروع في دولة فلسطينية مستقلة ولها سيادتها وعاصمتها القدس، على الرغم من المحاولات المستمرة منذ الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وحتى هذه اللحظة، من تحول هذا الدور إلى ورقة لمساومات دولية وإقليمية.
فمنذ ثورة 23 يوليو 1952 كان ما يحدث بالأراضي المحتلة، موضع اهتمام من قِبل الحركة الوطنية المصرية، وكانت مصر ولم تزل طرفا رئيسيا في الأحداث، فمن قبل حرب 1948، وما بعدها كان الجيش المصري في مقدمة صفوف الجيوش العربية التي شاركت في الحرب، إلى أن تفجرت ثورة يوليو 1952 من خلال الضباط الأحرار، ولتأخذ مصر على عاتقها جهود حل القضية الفلسطينية على أرض الواقع، متحركة في جميع المسارات الممكنة لذلك، على مستوى البعد الأممي والبعد السياسي والقانوني، ودائما وأبدًا البعد الإنساني، إذ لم يقتصر الأمر على ما تؤكده التقارير حول مئة ألف شهيد، وعشرات الآلاف من المصابين والجرحى، الذين قدمتهم مصر فداء لمناصرة قضية العروبة، عبر أربع حروب خاضتها في 1948 و1956 و1967 و1973، دفاعًا عن الأراضي العربية ضد الكيان المحتل، فضلا عن إسهامات مصر الواضحة والقاطعة في هذا السياق مثل الإشراف على الانسحاب الإسرائيلي من غزة، وكذلك الإشراف على صفقة جلعاد شاليط، وذلك الدور الرئيسي في الوصول لتهدئة في جميع الحروب، والدور الواضح في دعم إعادة إعمار غزة عقب الضربات الإسرائيلية في 2021، والذي تم رصد ميزانية قياسية له، بلغت 500 مليار دولار.
وظل الجهد السياسي الذي تضاعف في هذه المرحلة التي تشهد واحدة من أقذر الحروب على أبناء غزة الأبرياء والعُزل، جهدًا ملموسًا ومؤثرًا في مناصرة فلسطين والفلسطينيين، وحيث لم تتوقف الضغوط الخارجية والمطالبات وخصوصًا من الجانب الأمريكي الداعم بالمال والسلاح للكيان الصهيوني المحتل، في أن تستقبل مصر أبناء غزة النازحين من الشمال إلى الجنوب في سيناء، تلك المطالبات التي عبر عنها بايدن صراحة، وكررها صامويل وربيرج المتحدث الإقليمي باسم الخارجية الأمريكية، وتحدث عنها بلينكن في زياراته، ولا نبالغ إذا قلنا بأن هذا التهجير للفلسطينيين الذي يرنو إليه الاحتلال وحلفاؤه هدف أكبر وغاية هذه الحرب، لأنها ستكون خطوة أولى وأكبر مسمار في نعش قضية فلسطين، ومن ثم كان لابد في كل مرة وحتى الساعة واللحظة، أن تؤكد القيادة السياسية في مصر بصورة واضحة وقاطعة، بأن السماح للكيان الصهيوني المحتل بتنفيذ سيناريو ومخطط التهجير القسري للفلسطينيين من أرضهم، إنما يعني بشكل مباشر تصفية للقضية الفلسطينية، وضياع حق الفلسطينيين الذين قدموا في سبيل استعادة وطنهم مئات الآلاف من الشهداء عبر الزمن، وهو الأمر الذي لم ولن تسمح به مصر، مهما كلفها الثمن، وقد بادرت الدولة المصرية بالدعوة إلى قمة السلام، التي انعقدت في القاهرة، بدعوة من الرئيس السيسي، وقد وضعت هذه القمة أسس ومبادئ الحل الدائم للقضية، كما أكدت بما لا يدع مجالا لمماطلات أو تزييف على محددات الأمن القومي المصري في منع ورفض تهجير الفلسطينيين إلى سيناء.
وحتى الساعة أيضًا تقود مصر مفاوضات شاقة لوقف آلة الحرب والعدوان الوحشي، ولأن الأطراف المعنية والقوى الخارجية تعلم جيدًا حجم مصر وتأثيرها في مسارات القضية الفلسطينة، ووجود المحتل المرهون بتزعزع الموقف المصري، فقد كان هذا الموقف راسخًا وثابتًا في كل مرة من مرات التفاوض، لتشهد مفاوضات تبادل الأسرى والمحتجزين ليس فقط تقدمًا، وإنما تكون مرآة عاكسة عبر موقف مصر لرغبة الفلسطينيين وعزيمتهم في عدم التخلي عن أرضهم مهما دفعوا من أثمان، ولعلنا جميعًا تابعنا الاتصالات العاجلة والمكثفة للرئيس السيسي، مع جميع الأطراف إقليميًا وعربية أو دوليًا، الأمر الذي مهّد لأن يظل الدور المصري رئيسيًا في مساعي البحث عن صيغ مؤثرة لوقف إطلاق النار، وقد أسفرت الجهود المصرية عن التوصل لهدنة إنسانية مؤقتة استغرقت أسبوعًا في نوفمبر الماضي، وبموجبها تم إيقاف القتال بشكل كامل بجميع أجزاء غزة، ووقف تحليق الطائرات الإسرائيلية في أجواء القطاع، مع وجود تبادل تدريجي للأسرى من القُصّر والنساء في الجانبين، فضلًا عن السماح بدخول نحو مائتي شاحنة مساعدات غذائية يوميًا، ونحو 130 ألف لتر سولار ودخول أربع شاحنات لغاز الطهي يومياً إلى قطاع غزة، وفيما يتعلق بالمساعدات كملف قائم بذاته، ورغم كل المعوقات واستمرار القصف الإسرائيلي حتى بعد النزوح إلى رفح الفلسطينية، لا تزال مصر على عهدها بإنفاذ شاحنات الغذاء والمساعدات الإنسانية عبر معبر رفح المفتوح على مدار اليوم بشكل متصل، كما تم تدشين مستشفى ميداني بالقرب من معبر رفح البري، وقد نفذه مصنع “200 الحربي” المصري، ليكون مجهزًا لاستقبال الحالات الخطرة من الفلسطينيين المصابين في المواجهات العسكرية بالقطاع، ولا تزال المستشفيات المصرية تستقبل المصابين والجرحى والمرضى من أبناء غزة، لتلقي العلاج والرعاية الكاملة، فيما يقتضيه الواجب والضرورة تجاه الأشقاء.
ومن ثم كان الصوت الراسخ والنداء المستمر عبر كل تفاوض هو أن المسار الوحيد والبوابة الأساسية لحل القضية الفلسطينية، تكمن في حل الدولتين، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 4 يونيو 1967، عاصمتها القدس الشرقية، والتأكيد على المواقف الثابتة والأساسية، برفض الحلول الأحادية، التي من شأنها إعاقة إقامة دولة فلسطين الحرة المستقلة، والتي منها الاستيطان والإجراءات الهمجية التي يمارسها الكيان في القدس، وهذا توازيًا مع دعم الحقوق العادلة للشعب الفلسطيني، والتي على رأسها الحق في عودة اللاجئين، لذا على كل مغرض أن يتابع الموقف بنية صادقة، وأن يستمع جيدًا لحديث الرئيس الذي يؤكده في كل محفل توازيا مع المواقف حول موقف مصر الثابت بالإصرار والعمل المكثف على وقف إطلاق النار، وإنفاذ المساعدات الإنسانية فى غزة، ودفع جهود إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة، ليحصل الفلسطينيون على حقوقهم المشروعة، وهي تشكل الثوابت الراسخة التي تحرص مصر على العمل في إطارها، بهدف إرساء السلام، والأمن، والاستقرار، والتنمية في المنطقة، لصالح جميع شعوبها.


 


تابعنا على
تصميم وتطوير