رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
تسهيل أمر أم شراء ذمم ؟!


المشاهدات 1282
تاريخ الإضافة 2023/05/22 - 8:21 PM
آخر تحديث 2024/06/19 - 3:36 PM

كثيرةٌ هي الظواهر التي تعاني منها مجتمعاتنا التي أصبحت على ما يبدو «واقع حال»، لا يمكن التخلصُ منها إلا بإزالة المؤثر.. وأعتقد أنه من الصعب جدا في ظروفنا الحالية القضاء على الكثير منها.
اكتبُ اليوم عن ظاهرة «شراء الذِمم» .. هذه الظاهرة التي تفاقمت وأصبحت مشكلةً اجتماعيةً «استفحلت» في الكثير من مرافق الحياة . 
هذه الظاهرة الكثير من القراء يعرفونها، ويلمسونها من خلال التعامل اليوميّ في حياتهم ..» شراء الذمم «  أو « الرشوة «  او « تسهيل الأمر»، وباءٌ إذا استشرى في مجتمع ما أتى عليه كما يأتي السوسُ على أنبل وأجود أنواع الخشب. 
هذا التصرف أو السلوك «غير الأخلاقي» الذي تشترى وتباع من خلاله الانفس والذمم على حساب الناس والمجتمعات، فينخر قيمها، ومدخراتها وأرصدتها، ويستولي على المقود المسير، فيوجه المركب وجهةً تخدم مصالحَ الراشي، وتملأ جيوبَ المرتشين، فتكون خسارةً للبلد والشعب والمصالح العامة .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( لعن الله الراشي والمرتشي، والرائش الذي يمشي بينهما)).
نحن نعلم أن زمننا زمن مضرج بالدماء والفضائح والفساد بكل أنواعه، إنه زمن تراجعت فيه بعض القيم والفكر والمبادىء، زمن أصبح للفاسدين والمضاربين ظهور مفاجئ .. زمن فيه كل شيء قد يكون قابلاً للبيع او المساومة.. زمن أصبح فيه البعض يقايض الأبناء والضمائر وذمم الناس في تعاملاتهم .
نسمع بين الحين والآخرعن موظفٍ في الدولة ألقي القبض عليه متلبسا بالرشوة.. والأدهى من ذلك عندما يكون ذلك الموظف «مسناً».. هنا تسكب العبرات .. أهكذا يختم المرء محطة حياته . 
البيع والشراء والمقايضة مهن موغلة في القدم، والأشياء التي تخضع للعرض والطلب كثيرة، ولكل منها ثمنها يحدده نوع الشيء وجودته، ومدى الحاجة إليه، وهذه التسعيرة متذبذبة تبعاً لعوامل عدة معروفة تحكم السوق.. هذا كله مألوف ولا غرابة فيه.. لكن قد نكره مهنةَ البيع والشراء ونلعنها عندما نقرأ في التاريخ عن بيع الجواري والغلمان في سوق النخاسة، نختنق عندما يصف النخاس مزايا جارية معروضة للبيع وكأنه يعريها مما يستر جسدها المعروض للنهش والبيع.. هذا ما حدثَ في الجاهلية، ورغم ذلك يقشعر له بدننا عندما نتذكره. 
بعد هذا الكلام عن بشاعةِ مهنة البيع والشراء، هل يراودكم أو يتبادر الى ذهنكم الى ان ما يباع في عالمنا اليوم قد يكون أبشع بكثير مما بيع في سالف الازمان؟!
اقول .. «الذمم» يا سادة هي التي تباع وتُشترى هذه الايام!! .. وبيعها وشراؤها ابشع واخطر بكثير من بيع الأجساد المغلوبة على أمرها، فالجواري والغلمان منذ رؤيتهم الاولى للنور كان قدرهم ان يُباعوا ويُشتروا لانهم من طبقة العبيد، هكذا صنفوا وهكذا كان قدرهم لايقوَون الاعتراض عليه. أمّا من ظل بصيراً بالمستقبل طول العمر الى اللحظة الاخيرة التي تخلى فيها عن بصيرته وباع ذمته وضميره بحفنة من الدنانير او الدولارات او بمركز مرموق في مكان ما يؤهله لبسط نفوذه وملء جيوبه، فإنه بذلك قد فقد القيم والمبادئ معاً.
إن أخطر ما يقع فيه الانسان هو السقوط والمهادنة.. وحزننا يصبح اكبر من مساحات الكلام عندما نحس بأن احد الغيورين على ارضه واهله وبلده والذي كان صوته يوما ما مخيفا، ويرعب اكثر من زئير الاسد عندما يغضب، فجأة يخفت صوته الجهوري الى ان يتلاشى وتغورعيناه في حدقاتها كلما رفع الصوت بوجه الظالم والفاسد، فيحاول جاهداً ان يدير دفة الكلام بعيداً، ويبتلع لسانه وكأنه يقول للارض «انشقي وابلعيني». 
كل هذا لانه قد باع أعلى وأغلى ما عنده ألا وهو «ضميره و ذمته» بثمن مادي قد يكون بخسا .. هذا الانسان حالته صعبة جداً يُرثى لها.. أين اصبح ضميره الحي الذي كان دوماً يقظاً يعارض كل خلل وجرم يُقترف بحق الناس وشعبه ؟ أين تاريخه؟ أين أنيابه واظافره؟ لقد اصبح بما كان وبما يكون في خبر كان .. فهو إنسان معطل الاحساس والضمير.. كل القيم فيه بعد ضميره وذمته في غروب.
عزة النفس.. الارتفاع عن مواضع الإهانة، فعزيز النفس لا يسمح لأحد أن يريق ماء وجهه ليبقى موفور الكرامة، مرتاح الضمير، ومرفوع الرأس شامخ العينين، متحرراً من ذل الطمع، لا يسير إلا وفق ما يمليه عليه إيمانه وسلوكه والحق الذي يحمله ويدعو إليه.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير