رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
علاقة


المشاهدات 1035
تاريخ الإضافة 2022/11/23 - 7:32 PM
آخر تحديث 2022/11/29 - 6:04 AM

جمال نوري
..  بعد تردد استطاع أن يختار ربطة العنق السوداء الموشّاة بخطوط بيض متقاطعة مكونة مثلثات صغيرة تنحدر بموازاة القميص الرصاصي الذي كان يتطابق مع لون السترة السوداء ، فضلاً عن رائحة الريفدور التي باتت جزءاً مكملا لهندامه ، ومع بساطة ما كان يملك من ملابس لكنه كان يحرص دائماً على الظهور بمظهر يليق بمنصب أمين الصندوق ، نظر الى وجهه في المرآة ، رجّل ماتبقى من شعر رأسه ، ثم استدار ليتطلع الى هندامه من الخلف ، وتأكد من انسجام مظهره وهو يرفل في بدلته الأنيقة ، وكان آخر ما تركه على وجه المرآة ابتسامة عريضة ندت عنه وكأنما أراد بذلك أن يتأكد من بياض أسنانه ، اوفي الأقل ليفتش عن سبب إعجاب كاتبة الطابعة بابتسامته .. لكنه مع ذلك لم يكتشف هذا السر حد هذه اللحظة ... وفي غيرما حماس رفع حقيبته السوداء وشرع يذرع الرواق المفضي إلى باب المطبخ ، لقد حاول جاهداً أن لا يوقظ زوجته ، وأن يفلت في الوقت المناسب من فصل جديد من فصول أحلامها العجيبة وكتاب التفسير الذي بات يلازمها مثل ظلها ... وقبل أن يصل إلى باب المطبخ فطن إلى نظارته التي تركها على الأريكة في غرفة الاستقبال ... تأفف وعاد أدراجه محاولا قدر الإمكان أن لا يثير أية ضجّة، لكنه ارتطم قرب الباب بأصص الزهور المرصوفة بعناية ... انحسرت الملاءة عن وجه كالح تحيط به غابة من شعر أسود داكن ، وعينان جاحظتان تشيان بالهلع الذي أحدثه الارتطام قبل قليل ... نظر إليها وقبل ان يعلن عن اعتذاره، نهضت ، مستوفزة ، مأخوذة بكابوس الليلة الماضية ، دعكت عينيها، ثم انتزعت كتابها الأثير من تحت السرير .. - اسمع ما يقوله هذا الكتاب عن سقوط الأسنان ، سقوط السن، هو في المنام دالة على انتهاء الأجل، وسقوط الناب يشير إلى موت سيد أهل البيت الذي يستند إليه وهذا هو ما رأيته قبل قليل ! - خففي من غلوائك يا امرأة ، وإذا كان الأمر يثير قلقك إلى هذا الحد ، فحاولي أن تفكري في أمر آخر .. ثم استدار نحو غرفة الاستقبال ، لكنه فوجئ بيدها تطوق ساعده ، وفكر قبل أن يلتفت نحوها أن يسلمها يده الأخرى ... قالت : لن تخرج هذا اليوم! حلم الليلة يشير إلى فأل سيء .. تردد صدى كلماتها في أعماقه ، وأدرك بأنها تحاول نسف كل استعداداته في أن يكون أنيقاً ، وأن تمحي كل لحظات البهجة التي كانت تساوره ، تمالك نفسه واستطاع بعد جهد أن يغالب سورة الغضب التي انفجرت في أعماقه : - لا أعتقد أنك جادة فيما تقولين ... سوف أتأخر عن الدوام .. عودي إلى سريرك رجاءً .. لكنها ردت عليه بحزم متجاهلة كل ما قاله : لن تخرج .. ما كان بمقدوره أن ينتزع يده من قبضتها ما لم يعدها بالبقاء في البيت ، وأن ينضو عنه ملابسه ليسجل لها نصراً جديداً ، ولينكفئ هو في إحدى زوايا الغرفة يواسي نفسه على خسارته في هذه الجولة أيضاً .. لم تُقيض له فرصة أن يصمد أمامها وينفرد برأيه في النهاية .. فكّر مع نفسه وقال : لم يحدث هذا بالمرة .. دنا منها وقال بتوسل : عودي إلى السرير .. حدّقت المرأة في عينيه ، وومضت في رأسها فكرة صغيرة ، سرعان ما اكتشفت بأنها أفضل طريقة لمنعه من الخروج .. وفكرت أيضاً في أصلح الغرف التي يمكن أن تكون ملائمة لهذا الأمر ، فلم تجد غير المخزن ذي الرتاج الثقيل .. تمطت ملامحها ، وانفرجت .. - حسناً ناولني صرة الملابس القديمة في المخزن .. أنت تعرف أنني أخشى الصراصر والفئران، حرر يده من قبضتها ، واتجه نحو المخزن ، وما أن وطأ بلاطه حتى أدرك بأن جسده يندفع إلى الأمام ، وصوت ارتطام الباب يهز كيانه .. ها هو ذا في المخزن بدل أن يكون على مقعد وثير في سيارة زميله الذي جند نفسه لإيصاله كل صباح إلى الدائرة ..وقف صامتاً برهة عند المدخل مع رائحة العفن والغبار ، وأحس بأنه محتاج أكثر من أي وقت مضى إلى امرأة تقف إلى جانبه لتؤازره .. وبقي لردح طويل من الزمن غير قادر على التفكير بأي شيء غير التطلع إلى أشياء المخزن ، كراسٍ محطمة ، أصص زهور مهشمة ، خرق ملوّثة بدماء عادتها .. أكياس نايلون معبأة بعلب وأحذية قديمة .. تماثيل عادية لحيوانات متوحشة وأخرى أليفة ، كرات وأطباق وقدور سوداء مبعوجة .. - لن تخرج .. داهمه صوتها المدوّي قادماً من المطبخ .. أما كان بإمكانه أن يستدرجها بالكلام ، أن يخرج من أسرها ، أتكون قبضة الرسائل التي اعتقلتها قبل أسبوعين في درج المكتب سبباً في كل ما يحدث له ؟ ولكنه استطاع وقتئذ أن يقنعها بطريقة أو بأخرى بأنّ كلَّ تلك الرسائل لا تخصه لا من قريب ولا من بعيد ، ومع أنه أقنع نفسه بأنّ تلك الأكاذيب قد انطلت عليها ، لكنه بقي ينظر إلى الأمور بتوجس خائفاً من أية صخرة تسقط في بركة علاقتهما . رفس الباب ثم أحنى رأسه لينظر عبر ثقب المفتاح .. كيف وصل استخفافها إلى درجة سجنه في المخزن موئل الرطوبة والعفن ؟ ايكون هذا ثمن جزء من أخطائه وحماقاته الكثيرة .. تناهى الصوت إلى مسامعه من جديد .. - لن تخرج .. رفس الباب مرة أخرى علها تعطف عليه في النهاية وتحرره من أسره .. ماذا لو حضر أحد الموظفين ليستلم مفاتيح الصندوق .. هل سيمنحها فرصة كهذه لتسخر منه حتى أمام زملائه .. لن يمنحها قطعاً مثل هذه الفرصة .. ولن يسمح لها أن تذله أمام أصدقائه .. انتظر لبعض الوقت .. ثم جفف العرق الذي غلّل رقبته ، بعد أن خفّف من ضغط ربطة العنق .. ثم رفع عقيرته مستسلماً .. - لن أخرج ... لن أخرج ..
 


تابعنا على
تصميم وتطوير