رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
ثلاث قصص قصيرة جدا


المشاهدات 1048
تاريخ الإضافة 2022/09/21 - 8:16 PM
آخر تحديث 2022/09/28 - 9:31 PM

جمال نوري
1 - ليس ككل صباح... 
لم يكن ذلك الصباح رائقاً بعد مشادة ليلة أمس، ولم تصل منه قصيدته الصباحية القصيرة التي أدمنت عليها.. ورغم بساطة تلك الكلمات وصدقها كانت تشعر بانتشاء خفي يمنح وجودها معنى آخر، يكسبها إحساساً مرهفاً يحلق بها عالياً وكأنها أسعد امرأة في العالم.. هكذا تعلمت من مجرات حنانه وعشقه، إلا أنها لم تستطع أن تتجنب تلك المشادات التي كان يثيرها بين وقت وآخر لسبب أو دونما سبب.. كانت تستدرك محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من واحة جميلة ازهرت بينهما، مستنجدة بكل ما يمكن أن يستدعي اللحظات الجميلة التي ستشفع حتماً لإنقاذ بؤسهما، وإعادة الخطى إلى مسارها الصحيح.. لم تستطع الاتصال به لأنه أغلق هاتفه، وامتثل لهيمنة الصمت ووحشة الحزن.. 
قالت: سأتصل به لاحقاً.. سيكون قد هدأ بما يكفي لأثير معه حواراً سلساً مشفوعاً بلهفة مشاعري الجياشة.. ومع ذلك لم يتوقف الكناري عن شدوه وهو يملأ فضاء الغرف بسعاداته العجيبة.. ثمة حزن شفيف يسترخي على وجهها بينما تتطلع إلى شجرة السرو العالية وهي تتمايل متماهية مع نسمة عابرة.. هل كان عبثاً انتظار اتصاله الذي سيردم حتماً فجوة جفائهما ويباب نهارهما المحتشد بالنزاعات.. عقدا صلحاً عجيباً واتفقا أن يهزما مخالب الغيرة والبغضاء ليرتكنا إلى ظل شجرة وارفة المحبة، ولكنهما لم يفلحا في درء سجالات أخرى وكبوات مفاجأة كانت تعصف بهما.. هرعت إلى جوالها واتصلت؛ وعندما امتنع عن الرد قالت له: لا يهم سأبقى أحدثك وستستمع لكلامي بمزاج جيد.. بصدق أنا حزينة جداً وأشعر بأن المكان يكاد ينطبق على صدري.. إلى متى ستبقى صامتاً وسلبياً وسوداوياً؟ 
نهضت بعد أن أرسلت له رسالتها الصوتية، ومرت من قرب قفص الكناري وقالت بغنج: لم توقفت أيها العاشق المدنف عن الغناء ..ثم ذهبت لتعد لنفسها قدحاً من قهوتها المرة ..
٢-المكتبة...
لم يمضِ على وفاته أكثر من شهر حين فكرت زوجته وهي في كامل أناقتها العقلية أن تتخلص من مكتبته ومجلاته وصحفه التي شغلت غرفة كاملة في الطابق الأرضي، كان الأجدر بها أن تفعل ذلك من وقت بعيد، لكنها كانت تتجنب مزاجه المتكدر دائما.. استنجدت بعاملين نقلا الكتب إلى المخزن الذي يضم سقط المتاع ولم يحفلا او يعتنيا بترتيبها بل قذفوا بالكتب على البلاط، أما المكتبات فقد تخلعت اضلاعها ولم تعد صالحة لرفع الكتب مما حدى بالمرأة أن تأمرهما بوضعها في المخزن المجاور ريثما تستخدمها كوقود مثالي لحفلات الشواء... نقلت أثاث غرفة ابنها المدلل من الطابق الثاني وأصبح مجاوراً لغرفتها.. بعد أيام فكرت أن تتبرع بالمكتبة إلى الجامعة لكي تحصد ثناء الناس ومدحهم لها على مواقفها الرائعة في وفائها لزوجها ومساندة الثقافة بتمويل المكتبة الفقيرة في المدينة بآلاف الكتب الجديدة والغريبة.. انتهت إجراءات النقل، تنفست المرأة الصعداء بعد أن فرغ بيتها من ركام الكتب والاوراق الصفر ثم تهيأت لحفل تكريمها على مبادرتها الفريدة في إهداء مكتبة زوجها إلى مكتبة الحكومة الموقرة..
٣-دموع...
هل كان يخيل له أن الدموع التي ترقرقت في كل تلك العيون الحزينة أرادت أن تثبت له شقاء المدينة التي نقل إليها معاقباً على أفكاره التي كان يصرح بها من دون وجل؟ أمعن في مراجعة كل تلك الملابسات التي انطلت عليها تلك الواقعة التي أربكته أيما إرباك، عليه أن يتكيف مع المتغيرات التي عصفت به ولا بد من مغامرة جديدة سيعرف من خلالها العديد من الناس بأفكارهم واحزانهم وطيبتهم.. حاول أن يطمئن على طريقة تفكيره وخيالاته المتواضعة التي كانت تقوده لاستعادة كل الأسباب التي جعلته لا يثبت في أرض.. أيقن الآن أنه حالما يدخل إلى الشعبة (ب) ستواجهه كل العيون المستنفرة هلعاً تنشد عنده تلويحة خلاص أو إطلالة حلم تنقذهم من أوهامهم، وكدأبه بدأ يتحدث عن التأريخ متوقفاً عند بعض مفاصله معترضاً ومناقشا، يقابله صمت وإصغاء عجيب ودموع ساخنة تنثال بهدوء.. فكر لأكثر من مرة أن يسأل مدير المدرسة عن تلك الدموع المشحونة بالوجع لعله يجد جواباً مقنعاً يجعله أكثر أماناً واستقراراً وثباتاً.. قطع الشك بيقين لا يقبل الجدل أو التفاوض، كاد أن يفقد عقلة لكثرة تفكيره محاولاً أن يجد المسوغات المعقولة التي تبرر كل تلك الدموع الحرى.. دخل غرفة المدير منتظراً دوره ليبحث معه في تفاصيل الموقف وتداعياته بعد أن تفاقم الأمر بانتكاسة صديقه الذي هيمن على وعيه وطريقة تفكيره.. انفرد بالمدير وجلس قريباً منه، ثم استعد لمساررته بالموضوع.. قال بعد تردد: ثمة موضوع مهم أريدك أن تطلع عليه.. لا أدري ما سر الدموع في عيون طالبات الشعبة (ب)؟ أجاب المدير بعد أن أنصت جيداً لمدرس مادة التأريخ.. قال له: لم العجب!! الطالبات أيضا قلقات عليك وأخبرتني مراقبة الصف، مبدية استغراب الجميع من دموع المدرس الذي كان يدخل الصف بعينين مشرقتين حزينتين دامعتين، ثم يغادر من دون وداع..
 


تابعنا على
تصميم وتطوير