من أدب الرحلات.. صراع على الطريق
ثقافية
أضيف بواسطة zawraa
الكاتب
المشاهدات 1366
تاريخ الإضافة 2019/04/03 - 5:45 PM
آخر تحديث 2026/03/07 - 2:21 AM

ماجد الحجامي
أستأجرني راكب من مركز المدينة إلى حي (سانت فيتال) الذي يقع في الجنوب الشرقي من المدينة، لم يكن منزله بعيدا عن منزلي إذ كنت أسكن في الحي نفسه، بما أن الأوان كان صيفا وليس العمل فيه محتدما كما هو الحال في الشتاء إذ يسير الكنديون ساعات دون كلل او تعب مستمتعين بجمال الطبيعة الخضراء من أشجار وحشائش وأدغال ناهيك عن منظر الأنهر الهادئة الجميلة بعد أن كانت متجمدة طيلة فصل الشتاء ويكون طلب سيارات الأجرة مقتصرا على كبار السن او بعض المرضى والمسافرين المتجهين الى المطار ، ذهبت إلى منزلي لأستريح قليلا ما دام العمل قليلا أيضا . وبعد تناول العشاء خرجت لأدرك مباراة الهوكي وهي اللعبة السائدة والأكثر رواجا في كندا لأنقل الحاضرين إلى المباراة بعد انتهائها إلى منازلهم أو إلى الحانات ليحتفل مشجعو الفريق الفائز إذ غالبا ما تكون الحانات هي المكان المناسب ليحتفل المشجعون بفوز فريقهم .
في طريقي إلى سيارتي التي أوقفتها في مرآب الفندق القريب من منزلي حيث كان الشارع فارغا من المارة تماما وكأي سائق أجرة كان جيبي مليئا بالنقود الورقية والمعدنية، ظهر إلي رجل من زاوية مظلمة قبل أن أصل إلى سيارتي واستوقفني بنظرة مستفزة مخيفة والصق كتفه الى كتفي الأيسر قائلا : أعطني خمسين دولارا الآن . مددت يدي إلى جيبي وأخرجت له دولارين فأجاب ضاحكا : هل تراني متسولا أعطني الخمسين دولارا وإلا أشبعتك ضربا . يقول الكنديون لا تكن بطلا إذا هددك أحدهم بالسلاح واعطه ما يريد حفاظا على سلامتك، ولكن خصمي لا يملك أي سلاح سوى يديه اللتيْن يلوح بهما أمامي كأنه في حلبة الملاكمة، إذاً فلا مناص من الاستسلام ما دمنا متكافئيْن حتى وإن كان أكبر مني حجما بعض الشيء، ضحكتُ أمامه متظاهرا باللامبالاة قائلا : ابتعد عن طريقي . لكنه لم يبتعد وفاجئني بضربة قوية على وجهي، عندها خاطبته قائلا : على رسلك لم أكن أتوقع أنك جاد فيما كنت تقول سأعطيك ما تريد، مددتُ يدي إلى جيبي وعندما أنزل يديْه اللتيْن كانتا أمام وجهه . استدرتُ قليلا وضربتُ وجهه بكل ما أوتيت من قوة ثم ركلته بقدمي حتى هوى إلى الأرض ولما استلقى على ظهره انطلقتُ إلى سيارتي مسرعا، لكنه أمسك بقدمي فهويت إلى الأرض، أخذنا نتبادل الضرب والركل والصفع، كان يقاتل بمهارة وخفة في الحركة إذ يضرب بيديه ورأسه وقدميه، مددتُ يدي الى مفتاح سيارتي بصعوبة وضغطتُ على زر التزمير عن بعد لعلي أجذب انتباه أحد ما، لكن دون جدوى كأن المدينة قد خلت من أهلها بالرغم من تواجدنا قرب الشارع العام الذي كان فارغا من السيارات أيضا، بعد دقائق من الصراع العنيف توقفت سيارة بيضاء فارهة في منتصف الطريق، ظهر منها شابان كنديان وأسرعا نحونا فانحنى الأول وضربه على وجهه وبعد أن نهض ركله الآخر بقدمه حتى ولى هاربا، أخذا يجمعان معي النقود التي تناثرت على الأرض ثم شكرتهما على عونهما ومروءتهما وعملهما النبيل، وقبل أن يتجها إلى سيارتهما سألتهما: عفوا كنا أنا وخصمي متشابكين يضرب بعضنا بعضا كيف عرفتما أنه المعتدي، التفتَ احدهما الى صاحبه وقال ضاحكا ومستغربا : فعلا كيف اتفقنا أنا وأنت على أن الآخر هو المعتدي . فأجاب صاحبه بعد صمت قصير: الفرق شاسع جدا بين قتال المعتدي ومن يقاتل دفاعا عن حقه .