رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
(الدنيا بالألوان)


المشاهدات 1454
تاريخ الإضافة 2019/02/25 - 5:22 PM
آخر تحديث 2026/03/08 - 6:36 AM

حيدر علي الجبوري بماضٍ بعيد، عند زمن الطفولة والصبا ، كنت أتصور بأن الحياة قبل أن أكون كانت بدون ألوان الوجود الكثيرة، وان السواد والبياض كانا الوحيدين من يلونا الوجود، يلونا الشجر، والسماء والسحاب والوجوه. لست ادري لمَ لم اسأل، ولمَ لم أحاول الاكتشاف بطريقة ما، وهل حقا أن الحياة كانت بلونين قبل أن أكون . ربما، حينما رأيت أول صورة لي، كانت صورة شمسية التقطها مصور ادخل رأسه بقطعة قماش كانت تشبه بنطالا أو بيجامة مقلمة ذات قماش (البازا) الشهير في ذلك الزمن، ولا ادري ما الذي فعله هناك ، في داخل كاميرته ذات الثلاثة أرجل ، تحت فيء أول عمارة في المدينة ، لم يسكن غرفها الصغيرة غير المصريين الوافدين. المصور اخرج صورتي التي لم أكن أنا فيها ، بل صورة لطفل بلونين ، اسود وابيض ، كان يشاهد بنظرات غريبة المصور الطويل الأصلع وهو يولج برأسه في تلك الآلة ، يمعن كثيرا حتى تعرج حاجباه من شدة الاستفهام ، وبقي صامتا كما كان في صورته . لم اسأل ما كانت ألوان الدنيا من قبل ، وهل كانت حقا بلونين كما صورتي الشمسية المغشّاة ؟ . حتى حان الوقت لولدي ، سألني وافلت من روحه حيرة الاستفهام ، وعلى العكس مني حينما كنت ألوك بالسؤال فلا أطلقه ولا انتظر مجيبا . قال لي : هل كانت الحياة قبل أن أكون بالأسود والأبيض ؟ . فتذكرت الذي تذكرت من بين صورة قديمة غير واضحة ، لذلك الطفل الصامت الحبيس في صورة الزمن البعيد ، الذي لم يسأل ، أو لم يبادره احد بالحديث عن الحياة بكل ألوانها ، ويشرح له ولو ببساطة الأطفال إن الحياة لا يمكن أن تكون بلونين ، أو يقولوا له انظر إلى الشجر والسماء والورد وستعرف إجابة السؤال . سألني كما لو انه ورث مني السؤال القديم، وتذكرت ما تذكرت صورتي العتيقة وهي ما تزال ملتصقة ببطاقتي الشخصية الأولى، حينما قلت له كمن يريد أن يشرح لذلك الطفل القديم ، فيرخي تقطيبة حاجبيه منذ أعوام كثيرة، بأن الدنيا – يا صغيري - مذ صارت ملونة، وأنها لم تكن أبدا بلونين .

تابعنا على
تصميم وتطوير