تولستوي يفرّ من زوجته وهو في الثانية والثمانين من العمر
ثقافية
أضيف بواسطة zawraa
الكاتب
المشاهدات 1584
تاريخ الإضافة 2019/02/18 - 5:38 PM
آخر تحديث 2026/03/10 - 9:30 AM

ثقافة الزوراء
«شيئان هما إكسير حياتي، حب التعبير عن أفكاري بالكتابة الروائية، وحب زوجتي الحبيبة صوفيا أندريفنا، ماذا يريد المرء من حياته أكثر من ذلك؟ لقد سعدت بحبي لصوفيا وسعدت بأبنائي، وسعدت بهذه المزرعة الكبيرة، والشهرة، والثراء، والصحة، والسلامة البدنية والعقلية، ولكنني أحس بأن حياتي قد توقّفت فجأة، لم تعد لدي رغبة في شيء”
ثم قرر أن يهرب من زوجته صوفيا وهو في الثانية والثمانين من عمره! تُرى لماذا فعل الكاتب العظيم ليو تولستوي ما فعل؟! لماذا خرج من قصره الأنيق في مزرعة إيزيانا/ بوليانا في صقيع الشتاء، هارباً من ذلك الحب؟!
ليلة الثامن والعشرين من أكتوبر عام (1910)، وفي الساعة الثالثة قبل بزوغ الفجر، استيقظ تولستوي من نومه، على حركة غامضة في غرفة مكتبه الملحقة بالمخدع، ومن وراء بابها، كانت تأتيه أصوات أشبه بتقليب أوراق، وفتح أدراج وإغلاقها بحرص! كتب في صباح ذلك اليوم في دفتر مذكّراته: «كانت تفتش في أوراقي! لماذا يا صوفيا؟! لماذا؟ أيلزم أن تعرفي كل خلجات قلبي؟! وكل خطرات فكري؟! إننا كثيراً ما كنا نتناقش، نختلف في أشياء، ونتفق في أشياء أخرى، ولكن حبك في قلبي لا يزال مزدهراً، كما رأيتك لأول مرة، وأنت في السابعة عشرة! أعرف أنك تحبينني، وأنني أغلى وأثمن شيء في حياتك، لماذا إذن تصرين على التجسس، وتقرئين كل ورقة في مكتبي؟! ويضيف: أغرب ما في حبيبتي صوفيا أنها بعد أن انتهت من تفتيش أدراج مكتبي، كانت تتسلّل على أطراف أصابعها، خشية أن توقظني! ثم تفتح برفقٍ الباب المؤدي إلى مخدعي، وأنا أصطنع النوم، لتقول لي بهمسٍ: «هل أنت مستيقظ يا ليو؟ أتريد شيئاً يا عزيزي؟» ولم أرد عليها حتى لا أحرجها بعلمي بفعلتها، وبعد خروجها اتجهتُ إلى مكتبي لأفحص دفتر مذكراتي اليومية الذي وضعته في درج خاص لا تملك صوفيا مفاتيحه، رغم أنها لا تنتقل إلى أي مكان إلا وفي حزام وسطها سلسلة مفاتيح كل الدار، بل حتى مفاتيح المخازن، أبَت أن تسلمها لرئيس الخدم، وحين لُمتها على ذلك، قالت: «كانوا يسرقونك، والباب المفتوح يغري بسرقة ما فيه، ومنذ أربعين سنة والمفاتيح لا تفارق حزامها أبداً!»
وقضى بقية يومه على كرسيه في الحديقة، وكان يدّعي أنه بصدد كتابة روايةٍ جديدة، ولكنه في واقع الأمر كان يكتب مسودّة الرسالة التي سيتركها لزوجته الحبيبة قبل أن ينفذ قراره بمغادرة قصره المعروف بـ إيزيانا/ بوليانا. وحين عاد إلى مكتبه في المساء، جلس يخط الرسالة التي زعم أنها رواية جديدة. وكتب: «حبيبتي صوفيا. أعلم أنك ستتألمين كثيراً لرحيلي، وأنه ليحزنني ذلك أشد الحزن، ولكنني آمل من كل قلبي أن تدركي الأسباب التي تدفعني إلى ذلك الرحيل”.
سيرحل الكاتب الكبير، ابن الثانية والثمانين، الفنان، الإنسان، الذي يفرّ وهو في أيامه الأخيرة! يفرُّ من الثراء، والرفاهية، والرقابة المفرطة من الزوجة المحبة، ويفرّ إلى المجهول! إنها أعجب مغامرةٍ (طائشة) في تاريخ الأدب العالمي، وقبل أن تتحرّك العربة قال تولستوي بانفعالٍ شديد لابنته: «ساشا، لا تنسي، احتفظي بكل أوراقي، مسودات رواياتي، يومياتي، أوراق روايتي التي بدأتها منذ أسبوعين ولم أتمّ منها إلا الفصل الأول، إذ سأكتبها فيما بعد».
وبزغ أول نور للفجر وهما يسيران في الطريق الوحيد الخارج من المزرعة إلى الجنوب، وبينما كانت العربة تسير بهما، توجّه إليه صديقه ومرافقه الدكتور ماكوفتسكي بسؤال:
- إلى أين نتجه؟!
- إلى أبعد مكان عن إيزيانا/ بوليانا! وعن صوفيا.
- هل تعني أنك لم تحدّد وجهتك؟! أهذا معقول؟! أي خطة هرب هذه يا ليو؟
لنتجه إلى محطة قطار شيتشكينو.
وفي القطار جلس الكاتب الكبير مع صديقه الدكتور ماكوفيتسكي في مقعدين في الدرجة الثانية، ورغم محاولته إخفاء وجهه بالياقة العريضة لمعطف الفراء السميك، فقد أخذ بعض الركاب يتفرسون فيه كأنما يريدون أن يعرفوا حقيقة هذا الشيخ الهرم الذي يشبه كاتبهم الكبير المحبوب ليو تولستوي.
ودرءاً لمخاوفه من اكتشاف شخصيته يطلب من صديقه الدكتور أن ينتقل إلى عربات الدرجة الثالثة، لكن ماكوفتسكي يبدي عدم موافقته على الفكرة، فالجو قارس، ونوافذ الزجاج في الدرجة الثالثة محطّمة، وإنه يخشى عليه من تتسلل الريح إلى جسده عبر النوافذ المفتوحة! إلا أن تولستوي العنيد يصرّ على رأيه، فذلك أفضل من أن يعرفه أحد من ركاب الدرجة الثانية ويفتضح أمره، فتعرف صوفيا وجهته! وما هو إلا وقت قليل، حتى وقع ما كان يخشاه! فكل ركاب عربة الدرجة الثالثة تعرفوا على كاتب روسيا الأشهر، الرجل الذي عبّر عن أحلام الفقراء وآمالهم في معظم أعماله الروائية، فمَن لم يقرأها منهم سمع بها أو استمع إلى فصول منها من الرواة والأدباء الشعبيين في المقاهي أو في عربات القطارات، التي تسري في كل أنحاء روسيا الشاسعة كما تسري الشرايين والأوردة في الجسم البشري.
تحلّقوا حول كاتبهم المحبوب، وهتفوا له، وأخذوا يتسابقون في إهدائه ما حملوه من أطعمة، وحاول الدكتور ماكوفيتسكي إقناعهم بإعطاء الأديب فرصةً للراحة، لكنهم لم يستجيبوا لرجائه، فابتعدوا مسافة نصف متر عن مقعد محبوبهم الكبير، ثم شرعوا يمطرونه بأسئلتهم عن أفكاره، وآرائه، وأخذت الأسئلة تتلاحق. كيف يمكن تطبيق مذهب اللاعنف وحكومة القيصر تصرّ على الحرب في الشرق الأقصى؟! أهناك أمل أن يساهم كبار الملاك في إنشاء بعض المدارس الابتدائية لأولادنا في مزارعهم وقراهم؟! لقد قبضوا على زوجي، وألقوا به في السجن بعد أن جلدوه لأنه لم يستطع تقديم إيصال دفع ضريبة العام الماضي؟! أتوسل إليك أن تكتب طالباً الإفراج عنه، أيها الأب الكبير الرحيم إننا نحبك، ونقدّرك، ولكننا على ثقة بأنه لا فائدة من كل ما تقول وتكتب، مع وجود النظام القيصري القهري، ولأننا نحبك ولا نريد أن نفسد حياتك بمشكلاتنا، لا نرى لك إلا أن تعتزل هذه الحياة الفاسدة في أحد الأديرة، أليس هذا هو السلام الذي تنشده؟! كانت ابتسامته الوديعة هي الإجابة عن كل تساؤلاتهم، إلا أن ملامحه بدت مرهقة!
ست ساعات من الصخب وهو يستمع إلى هذه الآراء الثائرة المتناقضة، والحوارات الجانبية الغاضبة والساخطة أحياناً، حتى أوشك أن يغمى عليه من رائحة الدخان، فهمس الدكتور ماكوفيتسكي في أذنه: في المحطة المقبلة سننتقل إلى الدرجة الثانية مرة أخرى، فالتفت إليه باسماً:
المهم أن نبتعد عن صوفيا! أجل هذا هو المهم! ليس هناك يا سيرجي ماكوفيتسكي ما هو أغلى من الحرية! وبلغ القطار قرية (كوزيلسك)،
فقال له الدكتور:
هذه آخر محطة للقطار يا ليـو، سنضطر إلى البقاء فيها إحدى عشرة ساعة في انتظار القطار السريع.
فيصيح تولستوي:
كلا.. كلا.. كلا.. لن أقيم في كوزيلسك كل هذه الساعات، ففيها مزرعة كبيرة لصديقي تورجنيف، وستعرف صوفيا على الفور مكاني! ثم يسأل عن المحطة التالية، فيعلم أنها أوبتيينا، وفيها دير ونزل صغير يستقبل الزوار، فيقترح الدكتور أن يستريحا فيه ليومين أو ثلاثة! وبينما كان تولستوي مع صديقه الدكتور في غرفتهما الصغيرة في النزل الريفي الملحق بالدير، كتب في دفتر يومياته: “ما أجمل الشعور بالأمان والاطمئنان! ماذا يريد المرء من دنياه أجمل من هذا؟! القوت الضروري، والأمان، ما أسعدني! وتمدّد على الفراش لينام، وكان يدرك أن صوفيا أندريفنا ستفعل المستحيل كي تلحق به لتعيده إلى إيزيانا/ بوليانا، وظل الهاجس يراوده بأن يفاجأ في أية لحظة يُطرق فيها باب الغرفة الصغيرة عليه ليجد نفسه وجهاً لوجه أمام صوفيا!
بعض مؤرّخي الأدب اجتهدوا في تفسير ما قام به تولستوي: أن تصرفه بالفرار من مزرعته، وهو العجوز ابن الثانية والثمانين، في ليلة قارسة، دون أن يكون قد حدد مكاناً لإقامته، لهو من بعض أعراض أمراض الشيخوخة وما يصطحبها من قرارات ارتجالية. هذا ما قاله من لا يحبون تولستوي! أما أنصاره وتلاميذه أمثال صديقه (تشيرتيكوف) فقد كتب يقول: «لقد تحمّل تولستوي الكثير من معارضات ومشاكسات زوجته صوفيا أندريفنا، ما لا يتحمّله القديسون، كانت سجّانته بكل ما في الكلمة من معنى، تريد أن تفرض عليه آراءها بشأن تنازله عن أملاكه للفلاحين، وبشأن علاقته بالقيصر، وبالإمبراطورة، كانت تحدّد له من يجب أن يقابل أو لا يقابل من أصدقائه وتلاميذه، بل كانت تريد أن تعرف أفكاره الروائية، وتطلب أن يكون لها حق إقرار ورفض ما لا يتناسب مع أفكارها، كانت تحبه..
أجل، ولكن حب التملك لا حب التضحية، لا أوجّه اللوم لصديقي تولستوي على فراره منها، ولولا أنه شديد الإيمان بالله لقتل نفسه يأساً منها منذ زمنٍ بعيد!».