الزراعة المصرية والتضييق على الفلاحين
أراء
أضيف بواسطة zawraa
الكاتب
المشاهدات 1333
تاريخ الإضافة 2018/07/21 - 5:09 PM
آخر تحديث 2026/03/04 - 12:07 PM
[caption id="attachment_110245" align="aligncenter" width="225"]

طلعت رضوان[/caption]
يذهب أغلب الفلاسفة وعلماء علم الاجتماع، أنّ المجتمعات الإنسانية قد تستغني عن الأطباء والمهندسين والمفكرين والمبدعين. ولكنها لا تستطيع الاستغناء عن الفلاحين. وكان التبرير هو: أنّ الإنسان ـ في أي مجتمع ـ لا يستطيع البقاء حيـًـا بدون تناول الطعام.. وهذا الطعام لاتــُـنبته الأرض من تلقاء نفسها.. كما هو الحال في بعض الأعشاب والحشائش التي لا تصلح لمعدة الإنسان. أما النباتات الصالحة للإنسان فهي لا تأتى إلاّ بعد تمهيد الأرض للزراعة.. وهذا هو العمل الذي لا يستطيع القيام به إلاّ شريحة وحيدة من شرائح المجتمع: الفلاحون.
وذكر كثيرون من علماء الاقتصاد أنّ الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا والهند والصين واليابان..فيما يتعلق بالمسألة الزراعية.. فقد تلاحظ أنّ هذه الدول تــُـقـدّم الدعم المالي للمُـزارعين.. وأنّ هذا الدعم لايـُـقـدّم اعتباطــًـا أو من أجل سواد عيون الفلاحين {خاصة فى أنظمة رأسمالية تسعى لتحقيق أعلى نسبة ربح} وإنما فلسفة الدعم تأسّـستْ على أساس أنّ الاهتمام بتحسين ظروف العمل الزراعي، يؤدى إلى الوفرة فى انتاج المزيد من المحاصيل الزراعية.. وهذه المحاصيل تؤدي بدورها إلى تحسين {الميزان التجاري} من خلال تزايد معدلات الصادرات.. وبالتالي فإنّ تنمية الاقتصاد الزراعي سيصب في مصلحة {الاقتصاد القومي}.
هذا باختصار موقف الأنظمة الوطنية الحريصة على التنمية الاقتصادية.. وفق معايير علم الاقتصاد في العصر الحديث..ومع ملاحظة أنّ هذه الأنظمة بقدر اهتمامها ودعمها للمزارعين فى بلادها، بقدر حرصها على منع غيرها من الدول التابعة للرأسمالية العالمية وتدور في فلكها ـ وفق تعبيرسمير أمين ـ من أي تنمية اقتصادية، والسبب أنه لو أنّ الأنطمة التابعة للرأسمالية العالمية اعتمدتْ على نفسها فى انتاج ما تحتاجه من محاصيل زراعية..فماذا تفعل الأنظمة الرأسمالية بالفائض من محصولاتها؟ خاصة وأنها ـ كما حدث كثيرًا ـ لجأتْ إلى القاء الفائض فى المحيطات خوفــًـا من انخفاض السعر.. وفي هذا الشأن قال جاك هوفر {أحد صناع السياسة الزراعية الأميركية} «نحن لانــُـوزّع الغذاء على الدول الأخرى على أساس مدى الاحتياج.. وإنما على أساس الاعتبارات التى تمليها السياسة الخارجية الأميركية» {عريان نصيف في كتابه: لا للتبعية والتطبيع في الزراعة ـ دارالثقافة الجديدة عام2001ص16}.
وذكر أنه تـمّ فتح الباب على مصراعيه لاستيراد القطن الأميركي، بما أدى ـ فى موسم واحد ـ عام 1993 إلى خسارة مصرحوالي 2 مليار جنيه.. فالسعر الذي تم به تصدير القطن المصري المُـتميز كان90 سنتا للرطل، بينما سعر القطن الأميركي المُـستورد والأقل جودة كان 105 سنت للرطل.. وفي عام 1996وافق المسؤولون المصريون على استلام شحنات القمح الأميركي المصابة بالفطر والتى رفضتها جميع الدول المُستوردة للقمح الأميركي.. وفي عام1993كانت مصر الدولة الثانية في العالم المُـستوردة للقمح.. وبعد هذا التاريخ أصبحتْ مصر الدولة الأولى فى العالم المُـستوردة للقمح {المصدر مجلس القمح الأميركي ومجلس القمح الدولي} وكان تعليق عريان نصيف أنّ ذلك كان بفضل سياسة التبعية للأميركيين {من51ـ54}.
وفي كتاب آخر ذكر نصيف أنه في المؤتمر المصري الأميركي الذي عقد في القاهرة في 28 مارس 1995 أشاد يوسف والي وزير الزراعة بالدور المتميز الذي قامت به {المعونة الأميركية} وأشار إلى أنّ هذا الدور {الخيـّـر} للمعونة الأميركية ابتدأ مع 23 يوليو 1952 من خلال {برنامح النقطة الرابعة} وذكر أنّ هيئة التنمية الأميركية تعتبر أنّ التوسع في مساحات زراعة القمح اخلال وانحراف بسياسة الإصلاح الاقتصادي.. وأنّ مديرالعمليات الزراعية بالبنك الدولي أوصى في 21 أكتوبر1994بتخفيض المساحات المزروعة بالقصب في مصر {عريان نصيف في كتابه: مأساة الفلاح في زمن الانفتاح ـ كتاب الأهالي ـ مارس 2001 ص 100}.
والمُـتأمل لحال الزراعة المصرية سيكتشف تدهورها منذ يوليو 1952بعد بناء المصانع على أجود الأراضى الزراعية.. والمشروعات الوهمية {مديرية التحريرـ نموذجـًـا} ومشكلات الفلاحين مع الجمعيات الزراعية الحكومية..وتجريف التربة الزراعية بالبناء عليها.. وهي الظاهرة التي بدأها نواب مجلس الشعب.. إلخ.
ونظرًا لخطورة الوضع وتفاقمه سنة بعد اخرى، اشتركتْ أكبر صحيفة حكومية مع الصحف الخاصة في انتقاد المسؤولين عن تردي الزراعة.. ومن أمثلة ذلك التحقيق الصحفي الذي شغل صفحة كاملة بعنوان {الترشيد يـُـحوّل مصر من تصدير الأرز إلى استيراده} والعنوان الثاني {قرار تخفيض المساحات المزروعة يمنع الفلاح من توريده ويـُـهـدّد غذاءه طوال العام} ومن العناوين الفرعية: المزارعون يُطالبون بإعادة النظرو الخبراء يحذرون من التبوير والاحتكار والمستفيد هو المستورد {أهرام16مايو2018ص18}.
وبالرغم من حالة الانبطاح العام أمام مغريات السلطة.. فإنّ مصر لا زال فيها كثيرون من الشرفاء..حيث نقل الصحفي أيمن المهدي تصريح نقيب الفلاحين المصريين حسين عبدالرحمن الذي اعتبر أنّ اتجاه الحكومة المصرية لاستيراد الأرز بعدما كانت تــُـصـدّره نكسة {الأدق كارثة} خاصة وأنه ذكر في بيان أصدره: إنّ الأمر خطير جدًا حيث أنّ {حيتان الاستيراد يُحرّكون مركب الحكومة نحو الغرق، وأنه توجد بدائل كثيرة عن الاستيراد {لمزيد من التفاصيل: أهرام 5 يوليو 2018ـ ص10}.
وهكذا قذفتْ الحكومة {المصرية} المواطن {المصري} لحيتان مافيا {عصابة} الاستيراد، تلك العصابة التي مـدّتْ أذرعها الأخطبوطية السامة لكافة الأنشطة التي تمس حياة المواطنين: من الأدوية ومواد البناء.. إلخ وكانت الكارثة الكبرى أنْ شمل الاستيراد المحاصيل الزراعية في دولة علــّـم شعبها العالم كله تقنيات الزراعة.