رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الأزمات اليومية تصنع أنماطاً جديدة من السلوك الاجتماعي


المشاهدات 1074
تاريخ الإضافة 2026/10/14 - 9:39 PM
آخر تحديث 2026/10/15 - 5:08 AM

الأزمة لا تنتهي دائماً بانتهاء أسبابها فقد تترك وراءها عادات جديدة وطريقة مختلفة في التفكير والتعامل مع الحياة. المجتمع العراقي عاش خلال سنوات طويلة مجموعة من الأزمات الاقتصادية والخدمية والاجتماعية التي لم تعد مجرد ظروف عابرة وإنما أصبحت جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية. ومع تكرار هذه الضغوط بدأ الفرد يغيّر سلوكه بصورة تدريجية حتى ظهرت أنماط اجتماعية جديدة يمكن ملاحظتها في الأسرة والشارع والعمل والجامعة وحتى في طريقة الإنفاق والتواصل مع الآخرين. ارتفاع تكاليف المعيشة دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها فأصبحت المقارنة بين الحاجة والرغبة أكثر حضوراً في القرارات اليومية. شراء الملابس الجديدة لمناسبة معينة أصبح يؤجل أحياناً لصالح مصاريف أكثر أهمية. والمطاعم والرحلات والترفيه أصبحت تخضع لحسابات دقيقة عند كثير من العائلات. حتى المناسبات الاجتماعية التي كانت تقوم على الإنفاق المفتوح بدأت بعض الأسر تبحث فيها عن خيارات أقل كلفة. وهذا السلوك لا يرتبط دائماً بالفقر وإنما يعكس محاولة للتكيف مع واقع اقتصادي متغير. الأسرة التي كانت تنفق راتبها بطريقة مختلفة أصبحت مضطرة إلى توزيع دخلها بين الغذاء والسكن والتعليم والنقل والالتزامات الأخرى. ومع استمرار الضغط يصبح الاقتصاد في الإنفاق عادة اجتماعية وليس قراراً مؤقتاً. الازدحام المروري صنع هو الآخر سلوكيات جديدة. ساعات طويلة يقضيها العراقي في الطريق جعلت البعض يغير أوقات خروجه من المنزل أو عمله ويحاول اختيار الطرق البديلة ويستخدم تطبيقات الخرائط ويتابع أخبار الشوارع عبر صفحات التواصل الاجتماعي. الموظف الذي يحتاج إلى الوصول في الثامنة صباحاً قد يخرج قبل موعده بوقت طويل تحسباً لازدحام غير متوقع. الطالب أيضاً أصبح يضع وقت الطريق ضمن حساباته اليومية. وهذه التفاصيل تبدو صغيرة لكنها تكشف كيف تستطيع الأزمة أن تعيد تنظيم حياة الإنسان. المشكلة المرورية لم تعد مجرد مشكلة في الشوارع وإنما أصبحت عاملاً يؤثر في النوم والعمل والدراسة واللقاءات العائلية وحتى المزاج اليومي. وأزمة السكن دفعت نمطاً آخر إلى الظهور فقد أصبح السكن مع الأسرة لفترة أطول خياراً لدى بعض الشباب بسبب صعوبة تحمل الإيجار أو تكاليف امتلاك منزل مستقل. كما لجأ آخرون إلى السكن في مناطق أبعد عن مركز المدينة بحثاً عن أسعار أكثر قدرة على الاحتمال. بعض الأسر أصبحت تخطط لشراء بيتها على مراحل طويلة بدلاً من النظر إلى امتلاك المنزل باعتباره هدفاً قريباً. وتكاليف الزواج بدورها ساهمت في تغيير بعض التصورات الاجتماعية. الشاب الذي كان ينظر إلى الزواج بوصفه خطوة طبيعية في مرحلة معينة من العمر أصبح يحسب تكاليف القاعة والأثاث والذهب والملابس والسكن وغيرها قبل اتخاذ القرار. بعض الشباب يفضلون إقامة مناسبة محدودة وبعض العائلات بدأت تتقبل فكرة تقليل المصاريف بدلاً من تحميل الزوجين ديوناً طويلة. ومواقع التواصل الاجتماعي أضافت طبقة جديدة إلى هذه التحولات. الأزمات لم تعد تعاش بعيداً عن أعين الآخرين وإنما أصبحت تُعرض وتناقش وتقارن عبر المنصات الرقمية. المواطن الذي يعاني من ارتفاع الأسعار قد ينشر تجربته ويجد عشرات الأشخاص يشاركونه التجربة نفسها. والشخص الذي يواجه مشكلة في خدمة معينة قد يبحث عن تجارب الآخرين قبل أن يتخذ قراراً بشأنها. وظهر نمط اجتماعي جديد يقوم على الاستعانة بالجمهور الرقمي في الحياة اليومية. السؤال الذي كان يطرح على أحد الأقارب أو الأصدقاء أصبح يطرح أحياناً على مجموعات التواصل وصفحات المجتمع المحلي. أين توجد الخدمة الأفضل؟ أين يمكن العثور على سلعة بسعر أقل؟ كيف يمكن إنجاز معاملة معينة؟ أي طبيب أو مدرس أو محل يمتلك سمعة جيدة؟ هكذا تحولت المنصات الاجتماعية إلى مساحة للمشورة وتبادل الخبرات اليومية. وأزمة الثقة بالمعلومات أنتجت سلوكاً آخر يتمثل في البحث عن أكثر من مصدر قبل تصديق الخبر. كثرة الشائعات والأخبار غير الدقيقة جعلت بعض المستخدمين أكثر حذراً في إعادة النشر. لكن في المقابل ما زال آخرون يشاركون الأخبار بسرعة اعتماداً على عنوان مثير أو مقطع قصير من دون التأكد من مصدره. فالأزمات الصحية والاقتصادية والاجتماعية جعلت الوعي بالمعلومة أكثر أهمية لأن الخبر الخاطئ يمكن أن يسبب ضرراً حقيقياً. لذلك أصبحت مهارة التحقق من المعلومات جزءاً من السلوك الاجتماعي الذي يحتاجه مستخدم المنصات. والواقع العراقي يقدم مثالاً واضحاً على هذا التكيف. الأسرة التي تواجه انقطاعاً في إحدى الخدمات قد تغير جدولها اليومي وتعيد ترتيب استخدام الأجهزة المنزلية وتبحث عن بدائل مؤقتة. الموظف الذي يواجه ارتفاع تكاليف النقل قد يبدأ باستخدام وسيلة نقل جماعية أو يتفق مع زملائه على وسيلة مشتركة. الطالب الذي يعيش بعيداً عن جامعته قد ينسق مع زملائه لتقليل كلفة التنقل. هذه السلوكيات تبدأ غالباً كحلول مؤقتة ثم تتحول مع مرور الوقت إلى عادات مستقرة. وحتى العلاقات الاجتماعية تأثرت بهذه الظروف. الضغوط الاقتصادية جعلت بعض اللقاءات العائلية أقل تكراراً لأن التنقل والضيافة والمناسبات تحتاج إلى نفقات. وفي المقابل أصبح التواصل عبر الهاتف والمنصات الرقمية بديلاً سهلاً يحافظ على الصلة بين الأشخاص عندما يصعب اللقاء المباشر. والتحولات تحمل جانباً إيجابياً وآخر يحتاج إلى الانتباه. قدرة المجتمع على التكيف مع الأزمات تعكس مرونة اجتماعية مهمة وتظهر قدرة العراقي على ابتكار الحلول ومساعدة الآخرين وتبادل الخبرات. لكن استمرار الأزمات لفترات طويلة قد يجعل بعض السلوكيات السلبية تبدو طبيعية مثل القلق الدائم والتوتر والمبالغة في الحذر أو الاعتماد على الشائعات والبحث عن الحلول الفردية بدلاً من معالجة المشكلة بصورة جماعية. والحل لا يكمن في مطالبة الناس بالعودة إلى سلوكيات الماضي لأن المجتمع يتغير مع الظروف وإنما في مساعدة الناس على بناء أنماط تكيف أكثر صحة. الثقافة المالية يمكن أن تساعد الأسرة على التعامل مع الضغوط الاقتصادية. والتخطيط الجيد للوقت يمكن أن يقلل من آثار الازدحام. والتوعية الرقمية تساعد على مواجهة الأخبار المضللة. كما أن تشجيع المبادرات المحلية والتعاون بين أفراد المجتمع يمكن أن يحول بعض الأزمات من تجربة فردية إلى فرصة للعمل الجماعي. والمؤسسات الإعلامية تستطيع أيضاً أن تلعب دوراً مهماً في قراءة هذه التحولات بدلاً من الاكتفاء بنقل أخبار الأزمات. عندما يتحدث الإعلام عن ارتفاع الأسعار مثلاً فإن القيمة الصحفية لا تكمن في ذكر الأسعار فقط وإنما في متابعة كيف تغيرت عادات الأسرة العراقية وكيف يتعامل الموظف والطالب ورب الأسرة مع هذا التغير وما البدائل التي ظهرت وما الحلول الممكنة. فالمجتمع الذي يعيش الأزمة يتغير معها شئنا أم أبينا. بعض التغيرات تكون مؤقتة وبعضها يتحول إلى جزء من الثقافة اليومية. وما نشاهده اليوم من عادات في الإنفاق والتنقل والسكن والتواصل واستخدام التكنولوجيا ليس منفصلاً عن الظروف التي مر بها المجتمع وإنما هو نتيجة مباشرة لمحاولته المستمرة للتكيف مع الواقع. الأزمات اليومية لا تصنع المشكلات فقط وإنما تصنع طرقاً جديدة للتعامل معها. العراقي الذي تعلم أن يخطط لوقته بسبب الازدحام والذي يعيد حساباته بسبب ارتفاع الأسعار والذي يبحث عن المعلومة قبل تصديقها والذي يستخدم التكنولوجيا لتوفير الوقت والمال يمثل صورة لمجتمع يتغير تحت ضغط الحياة. والمطلوب ألا تتحول القدرة على التكيف إلى قبول دائم بالأزمة. التكيف يساعد الإنسان على الاستمرار لكنه لا ينبغي أن يجعل المشكلات تبدو طبيعية إلى درجة فقدان الرغبة في إصلاحها. المجتمع القادر على التكيف هو أيضاً المجتمع القادر على المطالبة بحلول أفضل. وتلك هي المفارقة التي تصنعها الأزمات اليومية. إنها تغير طريقة عيشنا وتعيد ترتيب أولوياتنا وتخلق سلوكيات لم تكن مألوفة في السابق لكنها في الوقت نفسه تكشف قدرة المجتمع على البحث عن البدائل ومواصلة الحياة رغم الضغوط.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير