رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
حرية بمقاس الزي: أذربيجان وامتحان ما بعد السوفييت


المشاهدات 1073
تاريخ الإضافة 2026/10/14 - 9:38 PM
آخر تحديث 2026/10/15 - 5:08 AM

لا يذكر قرار مجلس الوزراء الأذربيجاني الصادر في 21 أيلول/سبتمبر كلمة «الحجاب»، ويكتفي بوجوب أن ينسجم لباس التلاميذ والمعلمين مع علمانية التعليم. ومع ذلك وجدت تلميذات ومعلمات أبواب مدارسهن مغلقة في وجوههن. نص صامت وتطبيق صاخب، وبينهما تضيع الحقوق.
ما جرى بعد ذلك يكشف حجم الاحتقان. نقلت «بي بي سي» أن الاحتجاجات اتسعت، وأن المشاركين فيها ليسوا محجبات فقط، فقد حضرت فتيات غير محجبات وفتيان تضامناً مع زميلاتهم. وفي أحد المقاطع تشير فتاة إلى نوافذ الصفوف وتصرخ بمن في داخلها: «أصدقاؤكم في الشارع وأنتم ما زلتم صامتين»، وفي آخر يردد التلاميذ «الحجاب ليس عائقاً أمام التعليم». وتصدّر الموضوع نتائج البحث عن أذربيجان على إنستغرام. ثم تحدث مستخدمون عن اضطراب في الوصول إلى إنستغرام وتيك توك لا يُتجاوز إلا بالشبكات الافتراضية الخاصة. وفحصت مراسلة «بي بي سي» الأمر مع عدد من معارفها، فتعذّر عليهم الدخول إلى المنصتين، ولم ينجح في الوصول إلى تيك توك إلا واحد من ثمانية. وشكا آخرون من بطء يوتيوب ومن مشكلات في حسابات جيميل. السلطات لم تؤكد الحجب ولم تقدّم تفسيراً. وصمت الدولة في أزمة كهذه يفتح الباب للظنون. ثم تعددت وجوه الشدة، فقد بدأ التفتيش على الزي في المدارس يوم 12 تشرين الأول/أكتوبر، واستُدعي أولياء أمور إلى حديث مع طبيب ومعالج نفسي، وأعلنت وزارة الداخلية توقيف 37 شخصاً وفتحت قضية جنائية تصل عقوبتها إلى ثلاث سنوات. وللدولة أن تحاسب من أحرق أو خرّب، فرداً فرداً وبأدلة معلنة. أما الاعتراض السلمي على الزي فليس ملفاً أمنياً. وتُفهم هذه الحساسية حين نتذكر أن في الأمر ما هو أبعد من قطعة قماش. فأذربيجان بلد علماني يشكل المسلمون أكثر من تسعين في المئة من سكانه، وقد ذكرت «بي بي سي» أن زوجة الرئيس نفسها تضع الحجاب حين تقتضي المراسم. فالحجاب ليس غريباً عن مشهد الدولة، والمشكلة في الطريقة التي يُدار بها. وخلف ذلك سبعون عاماً من الحكم السوفييتي، قيل فيها للمرأة التي خُلع حجابها إنها صارت «حرة»، لكن حريتها لم تتجاوز القماش. ابتعد المجتمع عن دينه وعن أبجديته وعن ماضيه، وقدّمت موسكو مثقفين ذوي نظرة استشراقية ازدرت شعبها بوصفهم ركائز لمكافحة «الخرافة»، وكانت في حقيقتها حرباً على الهوية. ومن خالفهم عُدّ «عدواً للشعب». وثمة من يرى في الداخل أن حَمَلة هذا المعجم لم يغادروه، وإن غيّروا نبرتهم إلى نبرة مناهضة للسوفييت. هم يشغلون مواقع في السياسة والتعليم والثقافة، ويكررون في وجه كل معترض: اذهب إلى إيران، اذهب إلى الجزيرة العربية. وهذه العبارة لا تردّ على الاعتراض، وإنما تعلن أن قائلها لا يعرف العالم الذي يعيش فيه. ولا يقف هذا المعجم عند الأفراد، فقد بلغ المنابر الرسمية. قال التلفزيون الأذربيجاني الرسمي إنه لا مكان للقيم العربية والفارسية في الهوية الوطنية للبلاد. وهذا تعريف للهوية بالنفي: الأذربيجاني هو من ليس عربياً ولا فارسياً. وهو تعريف يصعب الدفاع عنه تاريخياً، فلغة البلاد وأدبها نُسجا عبر قرون مع الفارسية والعربية. كتب نظامي الكنجوي بالفارسية، وكتب فضولي بالأذرية والفارسية والعربية، وفي المعجم الأذري ما فيه من مفردات اللغتين. ومن يستأصل هذه الطبقات لا يحمي الأصالة، وإنما يقطع الشعب عن ذاكرته مرة ثانية بعد أن قطعه عنها السوفييت. وليس في هذا الاستئصال ما يستقيم مع رغبة باكو في موقع قيادي في العالم الإسلامي.
أما الأزمة مع أنقرة فتزيد الصورة تعقيداً. فقد هاجم حزب «أذربيجان الجديد» الحاكم، في بيان رسمي، مستشار الرئيس التركي أوكتاي سارال ونواباً من العدالة والتنمية بعد انتقادهم المنع، ووصف تصريحاتهم بالشعبوية وانعدام المسؤولية. وقال إن أذربيجان دولة علمانية كتركيا، ولا يحق لأي دولة التدخل في شؤون دولة مسلمة أخرى. وأضاف أن علاقات باكو بدول أخرى، ومنها إسرائيل، تتعرض للتشويه، وأكد دعمها لحل الدولتين، وأنها ستستضيف قمة منظمة التعاون الإسلامي عام 2027. والبيان يقول أمرين متعارضين: نحن علمانيون كتركيا، ونحن دولة مسلمة لها مقعدها في العالم الإسلامي. ولا يستقيم أن تطلب الدولة مكانة في الفضاء الإسلامي ثم تنكر على المسلمين حق السؤال عن أطفال مسلمين يُردّون عن أبواب مدارسهم. والنموذج التركي نفسه لا يسعفها، فقد فرض «قرار 28 شباط» عام 1997 قيوداً على المحجبات في الجامعات والوظائف العامة، ولم تُرفع إلا تدريجياً، في الجامعات نحو 2010 وفي الوظيفة العامة عام 2013، بعد أن ترك جرحاً سياسياً واجتماعياً عميقاً. ولأذربيجان تجربتها: حاولت وزارة التعليم الأمر نفسه عام 2010، فخرجت احتجاجات وصلت الأحكام بعد احتجاج 2012 إلى ست سنوات سجناً. ولم يُحسم الخلاف، فعاد بعد ست عشرة سنة بصورة أشد. ولم يبق الاعتراض تركياً، فقد بلغ صداه العراق. علّق زعيم التيار الوطني الشيعي السيد مقتدى الصدر، الثلاثاء 13 تشرين الأول/أكتوبر، على القرار في تدوينة على منصة «إكس»، قال فيها إن الجهات الرسمية «العلمانية» في أذربيجان المسلمة أصدرت منعاً للمظاهر الإسلامية. وسبق ردّ باكو المعتاد بقوله إنه لا يتدخل في الشأن الداخلي لهذا البلد، لكنه يرى نفسه مسؤولاً أمام الله، بحكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عن التذكير وإبداء الرأي والنصح. ووصف ما جرى بأنه «تشدد علماني»، وحذّر من أن تلك القرارات ستؤجج التشدد في بلد تمنى أن يكون مثالاً في الاعتدال والوسطية. وعجب من تصور العلمانيين أن العلمانية عداء للأسلمة وتشريعاتها، والأصل عنده أن تقوم على الحرية وعدم التدخل في الحريات الشخصية، وقال إن من ظن أن المنع باب لعلمنة المجتمع وتحرير النساء من الستر فهو واهم. وتوقع أن يزيد المنع التزام النساء العفيفات بالحجاب، وأن يعزز الهيمنة الغربية والإسرائيلية على أذربيجان. ورأى فيه قراراً سياسياً يقصي الإسلام المعتدل ويبسط هيمنة العلمانيين على الدولة، واستشهد بتونس التي قال إنها منعت الحجاب والصوم، وبتركيا التي رفعت المنع بعد أن زاد عدد المحجبات. وختم بتحذير قرآني النبرة لأولي الألباب من عاقبة المضي في هذا الطريق. وللموقف وزنه، لأن السيد الصدر يقود واحدة من أوسع القواعد الشعبية في العراق، وكلمته تتردد في الشارع قبل أن تبلغ الصالونات السياسية، وقدرته على تحريك أنصاره مشهودة. والبيان الأذربيجاني الذي ردّ على أنقرة بحجة عدم التدخل يجد نفسه أمام معترض ثانٍ من خلفية مختلفة تماماً، سبق هذه الحجة فاعتذر عن التدخل قبل أن يبدأ. وحين يأتي الانتقاد من أنقرة ذات الأغلبية السنية ومن زعيم شيعي عراقي، ويتناول بلداً يشكل الشيعة الأكثرية بين مسلميه، يصعب أن يُصنَّف الأمر خلافاً مذهبياً أو مناورة حزبية. وربطه المنع بالهيمنة الإسرائيلية يمسّ عصباً حساساً في باكو، التي أشار بيان حزبها الحاكم إلى علاقاتها بإسرائيل. غير أن في الكلام ما يضعفه. فما نسبه إلى التجربة التونسية من منع الصوم تعميم يحتاج إلى توثيق، والثابت أن تونس قيّدت الحجاب في المؤسسات العامة منذ مطلع الثمانينيات. والأهم أن من يدعو إلى علمانية قائمة على الحرية يصف المستجيبات للقرار بأنهن أسيرات للشهوة والملذات، وهذا حكم على اختيار النساء لا يقل وصاية عن حكم الدولة التي ينتقدها. أما جوهر ما قاله، أن الإكراه على النزع يولّد تمسكاً مضاداً، فملاحظة عملية يعرفها العراقيون من تجربة طويلة مع نتائج القهر. لحجة السيادة وزنها، ومن حق الأذربيجانيين أن يرفضوا وصاية الخارج، وقد قال الرئيس علييف في مؤتمر حزبه إنه لا ينبغي لأحد أن يتدخل في «نمط حياتنا». ولحجة الحياد وزنها كذلك، فالزي الموحد يصون فضاءً لا يُقسَّم فيه الطفل إلى متدين وغير متدين، وغني وفقير. لكن الحياد يتحقق بمعاملة الجميع بالسواء، لا بإبعاد من يختلف. ومدرسة تغلق بابها في وجه محجبة وتسمي نفسها محايدة قد صارت طرفاً في الخلاف. وهي تعلّم الأطفال أن حقوقهم رهن مزاج المدير، لأن القرارين، 309 للتلاميذ و325 للعاملين الصادر في 6 تشرين الأول، لا يحددان عقوبة ولا آلية اعتراض ولا معنى لما «ينسجم» مع العلمانية. وهذا يصطدم بالمادة التاسعة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها أذربيجان، وتشترط أن يكون كل تقييد لحرية المعتقد منصوصاً عليه في القانون. ويكشف الجدل أن الحرية عند كثيرين انتقائية. فمن يملأ الدنيا صراخاً حين يُفرض الحجاب ثم يصمت حين يُنزع بالقوة لا يدافع عن الحرية، وإنما عن ذوقه. ومن يستنكر المنع في باكو ويغضّا الطرف عن الإكراه المعاكس حيث يقع لا يختلف عنه. فمبدأ الاختيار لا يقبل التجزئة: لا تُجبَر فتاة على ارتداء الحجاب ولا على نزعه. وحين تصير الديمقراطية كالزي المدرسي، يُسمح لك أن ترتديها بالطريقة التي يختارونها لك، فقد تحولت إلى زي آخر.
المخرج لا يتطلب التراجع عن العلمانية. يتطلب نصاً صريحاً يُنشر ويُناقش علناً ويقول ما يُمنع وما يُسمح وبأي عقوبة، وضماناً بألا يُحرم تلميذ من مقعده إلى أن تبتّ في أمره جهة مستقلة، وتحقيقاً شفافاً في أعمال العنف المنسوبة إلى المحتجين مع الإفراج عن كل من لم يُتهم بعنف، وحواراً مباشراً مع الأهالي والمعلمين بدل الاستدعاءات. والدولة الواثقة بعلمانيتها لا تخشى حجاب تلميذة، ولا تحتاج إلى أن تخفي قاعدتها في صمت النص وتترك طفلة تدفع ثمنه عند باب المدرسة.


تابعنا على
تصميم وتطوير